حرية
مع انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق ودخول البلاد مرحلة أمنية جديدة، ينتقل ملف حصر السلاح بيد الدولة من مرحلة المواقف والتفاهمات السياسية إلى اختبار التنفيذ الفعلي، وسط حديث حكومي عن جدول زمني جديد يمتد إلى حزيران 2027، واتصالات مستمرة مع الفصائل بشأن آليات التسليم وإعادة تنظيم وجودها.
وبينما تراهن بغداد على التفاهم والحوار، تبرز الحاجة إلى خطوات عملية تضمن تنفيذ الاتفاق من دون فتح مسارات جديدة للتوتر الداخلي.
وكانت الحكومة قد ربطت في مراحل سابقة ملف السلاح بموعد انتهاء مهمة التحالف الدولي، وحددت في وقت سابق 30 أيلول موعداً لإنهاء ملف السلاح خارج سلطة الدولة، قبل أن يتضح لاحقاً أن انتهاء مهمة التحالف لا يعني بالضرورة انتهاء التفاوض مع الفصائل، وأن الملف يحتاج إلى جدول زمني وآليات تنفيذ متدرجة.
وفي 30 أيلول، اكتمل الانسحاب العسكري الأميركي من العراق وانتهت رسمياً مهمة التحالف الدولي، لتبدأ مرحلة جديدة تتولى فيها القوات العراقية مسؤولية الأمن بصورة أكبر، مع استمرار التعاون في مجالات التدريب والدعم الاستخباري.
ووضعت هذه الخطوة ملف السلاح في صدارة الاستحقاقات الداخلية، بعدما كان الوجود العسكري الأجنبي أحد أبرز العناوين التي تستند إليها بعض الفصائل في تبرير استمرار الاحتفاظ بالسلاح.
وقبل ذلك، كانت الحكومة قد أعلنت أن حصر السلاح يمثل جزءاً أساسياً من مشروعها لتعزيز سيادة الدولة، فيما أكدت بيانات ومواقف رسمية متتالية ضرورة أن يكون القرار العسكري والأمني بيد مؤسسات الدولة.
كما شهدت الأشهر الماضية مواقف من فصائل أعلنت استعدادها للانخراط في مسار حصر السلاح، مقابل فصائل أخرى تمسكت بمواقف أكثر تحفظاً تجاه التسليم الكامل.
وفي هذا الإطار، يوضح اللواء جواد الدهلكي، الخبير الأمني، أن الاتفاق لا يقوم على خطوة واحدة، وإنما على مرحلتين زمنيتين، تبدأ الأولى بتهيئة الأجواء وبناء الثقة بين الفصائل والولايات المتحدة بعد الانسحاب الكامل للقوات الأميركية وإنهاء مهمتها رسمياً.
ويقول الدهلكي لـ (حرية) إن: “الموعد ثابت على شكل فترتين زمنية الاولى لمد جسور الثقة بين الفصائل والولايات المتحدة الأمريكية بعد انسحاب كامل لقواتها وأنهت مهامها بشكل رسمي وبالمقابل على الفصائل الالتزام بالنقاط التي أدرجت ضمن نقاط الاتفاق وباقي النقاط يجري بعد التزام كل الأطراف ستكون مرحلة تكميلية لتسليم السلاح إلى هيئة الحشد الشعبي واندماج كافة منتسبيها”.
وتأتي هذه الرؤية في وقت بات فيه انتهاء الوجود العسكري للتحالف واقعاً قائماً، وهو ما يغير طبيعة النقاش حول السلاح؛ فالحكومة لم تعد تتعامل مع الملف بوصفه مرتبطاً فقط بوجود قوات أجنبية، وإنما باعتباره جزءاً من إعادة ترتيب المنظومة الأمنية والسياسية الداخلية.
وكانت بغداد قد عملت خلال الأشهر الماضية على تقديم حصر السلاح بوصفه مساراً تدريجياً، وليس عملية صدامية، مع طرح صيغ تتعلق بتسليم الأسلحة إلى هيئة الحشد الشعبي باعتبارها مؤسسة رسمية، وإعادة تنظيم أوضاع عناصر الفصائل ضمن المؤسسات الأمنية.
وفي آب الماضي، أفادت تقارير عن اتفاق سياسي يقضي بأن تكون هيئة الحشد الجهة الرسمية المشرفة على حصر السلاح وخزنه.
وبحسب الدهلكي، فإن هذا المسار شهد تطوراً خلال اليومين الماضيين، مع إعلان فصيلين تأييدهما اتفاق الحكومة مع الجانب الأميركي، وهو ما يراه مؤشراً على اتساع دائرة القبول بالحل التفاوضي.
وأوضح: “خلال اليومين الماضيين تم توجه فصيلين بتأييد اتفاق الحكومة مع الجانب الأمريكي وبذلك أصبحت نسبة الفصائل بتسليم السلاح إلى أكثر من 75% وتدل هذه النسبة لن الفصائل تبدي مرونة عالية بإنهاء ملف تسليم السلاح والانخراط بالعملية السياسية التي تضمن لهم بيئة سياسية للتهيوء إلى مرحلة جديدة أكثر فعالية من ذي قبل دون فتح جبهات أكثر تعقيداً”.
ويكتسب الحديث عن انتقال الفصائل إلى العملية السياسية أهمية خاصة في هذه المرحلة، إذ إن الحكومة تحاول بناء معادلة تقوم على تحويل المشاركة السياسية إلى المسار الأساسي للتأثير، بدلاً من بقاء السلاح أداة موازية للعمل السياسي والأمني.
وقد ظهرت خلال الأشهر الماضية مؤشرات على هذا الاتجاه، إذ أعلنت كتائب الإمام علي، في حزيران الماضي، فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي والمباشرة بإجراءات حصر السلاح بيد الدولة، فيما أشاد رئيس مجلس النواب حينها بقرار حركة صادقون تنفيذ فك الارتباط بتشكيلات الحشد وحصر السلاح بيد الدولة.
لكن هذا المسار لم يكن موحداً بين جميع الفصائل، إذ بقيت مواقف أخرى ترفض التسليم الكامل أو تربطه بتطورات سياسية وأمنية أوسع.
وفي أيلول، مثلاً، طرح مدير الإعلام الحربي في هيئة الحشد الشعبي صيغة تتحدث عن إعادة تنظيم سلاح الفصائل تحت إشراف الحكومة الاتحادية، بدلاً من تسليمه بصورة مباشرة إلى الحكومة.
وهنا تحديداً تبرز واحدة من أهم القضايا التي ستواجه الحكومة في المرحلة المقبلة: ما المقصود عملياً بتسليم السلاح؟ وهل يعني نقل الأسلحة فعلياً إلى جهة رسمية وخزنها، أم إعادة تنظيمها ضمن هيئة الحشد الشعبي، أم إعادة توزيع عناصر الفصائل داخل المؤسسات الأمنية وفق ضوابط محددة؟وكانت تقارير سابقة قد تحدثت عن مقترحات لدمج أعداد من عناصر الفصائل ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية، مع تخصيص فرص عمل ضمن أجهزة الدولة، في إطار حوافز تهدف إلى تسهيل الانتقال من العمل المسلح المستقل إلى العمل المؤسسي.
ويرى الدهلكي أن الاتصالات مع الفصائل لم تتوقف، وأن الحكومة تواصل العمل على إكمال المسار التفاوضي وصولاً إلى صيغة نهائية.
وقال: “العمل متواصل حتى اليوم كانت هناك لقاءات مع بقيتها واعتقد ملف اكمال الوزارات الشاغلة في الأيام القليلة القادمة يسرع من أهمية التسليم لغرض فتح أبواب جديدة لامتصاص زخم التوتر بين الحكومة والفصائل”.
ويشير هذا الطرح إلى عامل سياسي آخر يتقاطع مع الملف الأمني، يتمثل في استكمال التشكيلة الحكومية والمناصب الوزارية الشاغرة، إذ ترى الحكومة أن اكتمال مؤسساتها يمكن أن يوفر مساحة أكبر للتعامل مع الملفات الحساسة، وفي مقدمتها ملف السلاح والعلاقة مع الفصائل.
وكانت الحكومة قد أعلنت في وقت سابق أن استكمال الكابينة الوزارية أولوية، فيما ربطت زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن بملفات عدة، بينها الملف الاقتصادي وملف حصر السلاح.
وفي المقابل، فإن العلاقة مع واشنطن لا تختفي من المشهد بمجرد انسحاب القوات الأميركية، لكنها تنتقل إلى مستوى مختلف؛ فبعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف، يصبح التحدي أمام بغداد هو الحفاظ على علاقة أمنية وسياسية مستقرة، من دون أن يتحول ملف الفصائل إلى مواجهة جديدة بين الحكومة والولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، يربط الدهلكي بين التقدم في ملف السلاح وبين ما يصفه بدور رئيس الوزراء في فتح قنوات تفاوض مع الجانب الأميركي، قائلاً: “ناهيك عن دور رئيس الوزراء بالتوسط في امريكا خلال اجتماعه السري والمتفرد مع ترامب بإلغاء الحضر عن الكثير من قادة الفصل وإعادة إشراكهم بالحكومة الجديدة دون أي عقوبات هذه كلها عوامل جعلت الطريق أكثر وضوحاً قبل مغادرته للاشتراك بالدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة”.
وتحتاج هذه الجزئية، بوصفها توصيفاً من المتحدث، إلى فصلها عن الوقائع المؤكدة؛ فالملف الأميركي–العراقي شهد بالفعل انتقالاً من الوجود العسكري إلى التعاون الأمني، فيما بقيت قضايا العقوبات والعلاقة مع بعض الفصائل جزءاً من المفاوضات السياسية الأوسع.
أما تفاصيل الاجتماعات السرية أو الإجراءات المتعلقة بقادة الفصائل، فتظل بحاجة إلى تأكيد رسمي مستقل قبل التعامل معها كوقائع نهائية.وبالتوازي مع ذلك، فإن تحديد موعد نهائي جديد لحصر السلاح حتى 30 حزيران 2027 يمثل محاولة لمنح الأطراف مساحة زمنية لتنفيذ الاتفاق بصورة تدريجية.
وأكد المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة أن الموعد جاء نتيجة تفاهمات بين الحكومة والفصائل وتشكيل لجنة معنية بالملف، وليس مرتبطاً حصراً بتشريع قانون هيئة الحشد الشعبي.
وبذلك، تبدو المرحلة المقبلة مختلفة عن مرحلة ما قبل 30 أيلول؛ فانسحاب التحالف أصبح واقعاً، والحكومة باتت مطالبة بتحويل التفاهمات إلى إجراءات قابلة للقياس، تبدأ بتحديد الأسلحة المشمولة بالتسليم، والجهة التي ستتسلمها، وآليات الخزن والتوثيق، ثم تنظيم أوضاع العناصر الراغبين بالانخراط في المؤسسات الرسمية، وصولاً إلى ضمان عدم وجود تشكيلات مسلحة أو قرارات أمنية خارج سلطة الدولة.
كما أن نجاح المسار سيعتمد على قدرة الحكومة على الموازنة بين هدف حصر السلاح وبين منع نشوء فراغ أمني أو سياسي، خصوصاً أن العراق دخل بعد الانسحاب الأميركي مرحلة تتطلب تعزيز قدرات أجهزته الأمنية والاستخبارية، مع استمرار التهديدات المحتملة من خلايا داعش ومخاطر التوتر الإقليمي.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد فقط متى يُحصر السلاح؟، وإنما كيف سيتم تنفيذ الاتفاق، ومن سيشرف عليه، وما الذي سيحدث مع الجهات التي لا تلتزم بالجدول الزمني؟. وهي أسئلة ستحددها الأشهر المقبلة، خصوصاً مع اقتراب موعد حزيران 2027، الذي يفترض أن تنتقل خلاله التفاهمات الحالية من مستوى الحوار إلى نتائج ملموسة على الأرض.
وبين مرونة بعض الفصائل، واستمرار الحوار مع أخرى، وانتهاء مهمة التحالف، واستكمال بناء مؤسسات الدولة، تبدو بغداد أمام مسار حساس يحاول نقل ملف السلاح من دائرة الصراع والضغط الخارجي إلى إطار الدولة والتفاهم الداخلي؛ نجاحه لن يقاس فقط بعدد الأسلحة التي تُسلّم، وإنما بمدى قدرة الحكومة على إنهاء ازدواجية القرار الأمني وترسيخ قاعدة أن السلاح والقرار العسكري لا يتحركان خارج مؤسسات الدولة.







