إعداد مصطفى كامل الشريف/المدير التنفيذي iTach Denmark – Strategic & Technology Studies Center (ITSSC)
يمثل مشروع رقمنة الكتب المدرسية فرصة لتطوير التعليم في العراق، لكن نجاحه يعتمد على تسلسل التنفيذ وضبط الكلفة. لذلك أقدم في هذه الدراسة رؤية تبدأ بمنفعة يمكن إيصالها إلى الطالب سريعاً: إتاحة المناهج رقمياً على الهواتف والأجهزة اللوحية والحواسيب المتوفرة، قبل اتخاذ قرار بتوفير جهاز لكل طالب. فالبدء بشراء ملايين الأجهزة قد يضع الحكومة أمام نفقات كبيرة ويثير اعتراضات تُعطّل المشروع قبل أن تبدأ فوائده بالظهور.
تقترح الدراسة إطلاق منصة وطنية للكتب المدرسية في المرحلة الأولى، ثم تحديد الحاجة إلى الأجهزة ومواصفاتها وكلفتها من خلال دراسة جدوى مستقلة وتجربة ميدانية. ويستمر توفير الكتاب الورقي خلال المرحلة الانتقالية، حتى لا يتوقف وصول أي طالب إلى منهجه على امتلاكه جهازاً أو توفر الإنترنت.
جاء هذا المقترح بعد أن طرح وزير التربية، في حديث إعلامي، فكرة الاستغناء عن طباعة الكتب وتوزيع أجهزة وصفها بـ(الآيباد) على الطلبة [4]. وقد قوبل الطرح بالسخرية والاعتراض، ولا سيما بسبب كلفة شراء الأجهزة وصيانتها واستبدالها. وهذه تساؤلات مشروعة تحتاج إلى إجابات تربوية وفنية ومالية قبل اتخاذ قرار بالتوزيع الشامل.
وأرى أن الحاجة التعليمية تتعلق بجهاز لوحي مناسب (Tablet)، ولا تقتضي بالضرورة شراء جهاز (iPad) بعلامته التجارية. فالاختيار يجب أن يبدأ بتحديد المواصفات المطلوبة، ثم مقارنة العروض من حيث الكلفة والجودة والضمان. وتُظهر الأرقام المرجعية الواردة في الدراسة وجود نحو 11.3 مليون تلميذ وطالب في المرحلتين الابتدائية والثانوية خلال العام الدراسي 2023/2024 [1]؛ لذا يتطلب التخطيط تحديث الأعداد وتحديد الفئات التي ستشملها كل مرحلة.
وبصفتي المدير التنفيذي لمركز الدراسات الاستراتيجية والتكنولوجية في الدنمارك (ITSSC)، أقدم هذه الرؤية لتطوير فكرة السيد الوزير إلى مشروع قابل للتنفيذ والقياس: منصة وطنية تخدم الطالب والمعلم أولاً، ثم توفير الأجهزة تدريجياً وفق الحاجة الفعلية ونتائج التجربة والجدوى الاقتصادية. ويمكن، إذا ثبتت جدواه، تحويل الطلب على الأجهزة إلى فرصة لتجميعها وصيانتها داخل العراق. ويُبدي المركز استعداده لإعداد دراستَي الجدوى والمساهمة في التنفيذ، إذا طُلب منه ذلك وفق الأطر الرسمية.
تطرح هذه الدراسة مساراً عملياً لتطوير وصول الطلبة العراقيين إلى المناهج. يبدأ بإطلاق منصة وطنية للكتب المدرسية تعمل على الأجهزة المتوفرة لدى الطلبة والمعلمين، ثم يدرس توفير أجهزة تعليمية تُجمع وتُصان داخل العراق. ويستمر توفير الكتب الورقية خلال المرحلة الانتقالية حتى لا يتوقف وصول أي طالب إلى منهجه على امتلاكه جهازاً أو توفر الاتصال بالإنترنت.
تُعد دراسة جدوى مستقلة للمنصة تحدد كلفتها ومتطلبات تشغيلها وإدارة محتواها. وبالتوازي، تُدرس جدوى مشروع صناعي بالشراكة مع شركة صينية أو أوروبية مؤهلة، بما يشمل التجميع ونقل المعرفة والصيانة والقيمة المضافة المحلية. وتحدد التجربة الفعلية للمنصة مواصفات الجهاز قبل اتخاذ قرار بالإنتاج أو التوزيع الواسع.
يعرض مركز iTach Denmark – Strategic & Technology Studies Center (ITSSC) استعداده لإعداد دراستي الجدوى. وإذا طلبت الجهات المختصة، يمكن للمركز المساهمة في تصميم المنصة وتنفيذها وإدارة مراحلها الفنية، وكذلك المشاركة في تقييم الشريك الصناعي والإشراف على تنفيذ مشروع الأجهزة، وفق تكليف وأدوار ومخرجات محددة.
تتطلب الكتب المدرسية إعداداً وطباعةً ونقلاً وخزناً وتوزيعاً متكرراً. ويستغرق وصول تصحيح أو تحديث للمنهج إلى المدارس وقتاً إضافياً. تتيح المنصة نشر النسخة الرسمية المعتمدة وإظهار التعديلات عليها، مع إمكان تنزيلها للقراءة دون اتصال دائم.
حجم القرار يفرض التدرج: تسجل مؤشرات هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية للعام الدراسي 2023/2024 نحو 6.78 ملايين تلميذ في الابتدائي و4.52 ملايين طالب في الثانوي [1]. وهذه أرقام مرجعية تاريخية؛ ويستلزم التخطيط التنفيذي أعداداً محدثة وتحديد المراحل والمحافظات المشمولة.
تكون المنصة المرجع الحكومي للكتب، وتنظمها بحسب المرحلة والصف والمادة والسنة الدراسية. ويحمل كل كتاب رقم إصدار وتاريخ اعتماد وسجلاً للتعديلات. تعمل الخدمة على الهاتف والحاسوب والجهاز اللوحي، وتسمح بتنزيل المحتوى للاستخدام عند ضعف الشبكة، مع خصائص مناسبة للطلبة ذوي الإعاقة وقناة للإبلاغ عن الأخطاء.
تعتمد وزارة التربية التعديل على أي منهج قبل نشره، وتبلغ المدارس والمعلمين بمضمونه وتاريخ سريانه. وتبقى النسخ المعتمدة قابلة للتتبع، حتى يعرف الطالب والمعلم أي إصدار يستخدمان.
تحدد دراسة جدوى المنصة حالة ملفات المناهج، وعدد المستخدمين المتوقع، ومتطلبات الاستضافة والأمن والإتاحة، وكلفة التطوير والتشغيل والدعم الفني، وخطة الاختبار والإطلاق. يبدأ تشغيلها أثناء إعداد الاتفاق الصناعي، وتساعد نتائج استخدامها في اختيار مواصفات الأجهزة.
مركز (ITSSC) مستعد لإعداد دراسة جدوى المنصة الوطنية. ويمكنه أيضاً المساهمة في تصميم المشروع وتنفيذه وإدارة مراحله الفنية، إذا طُلب منه ذلك، بالتعاون مع وزارة التربية والجهات المختصة. وتُحدد الأدوار والمخرجات والمسؤوليات في اتفاق عمل واضح، مع اختبار المنصة قبل إطلاقها على نطاق واسع.
وظيفة الجهاز الأساسية إتاحة الكتاب المدرسي والمحتوى التعليمي المعتمد. يقرأ الطالب الدرس ويشاهد الرسوم التوضيحية عند الحاجة، ويحدد المعلم وقت استخدام الجهاز بحسب عمر الطلبة وطبيعة المادة. وتستمر الواجبات والإملاء والتدريب على الخط والحساب بالكتابة اليدوية في الدفاتر. وتُراعى مدة استخدام الشاشة، ولا سيما في الصفوف الابتدائية الأولى. وتشير اليونسكو إلى ضرورة ملاءمة التقنية للسياق التعليمي وإشراك المعلم وتقييم أثرها الفعلي [3].
يُجهز الجهاز بصلاحيات تتيح الكتب والتطبيقات الدراسية التي تعتمدها وزارة التربية، وتقيّد تثبيت الألعاب وتطبيقات التواصل والترفيه من المتاجر أو الملفات الخارجية. وتُراجع قائمة التطبيقات المسموح بها تربوياً وفنياً، وتُختبر فعالية القيود قبل التوسع. وهكذا تعالج الخطة التخوف من تحول الجهاز إلى وسيلة للألعاب ضمن تصميمه وتشغيله.
يرتبط تطبيق الكتب بالمنصة. وبعد اعتماد نسخة جديدة، يصل تحديث الكتاب إلى الجهاز تلقائياً عند اتصاله بالشبكة، مع إظهار رقم الإصدار وتاريخه. وتبقى الكتب المنزلة قابلة للقراءة دون اتصال. وتقتصر صلاحيات إدارة الجهاز وجمع البيانات على ما يلزم لتقديم الخدمة التعليمية وصيانتها، مع حماية خصوصية الطالب.
تُدرس إقامة مجمع عراقي لتجميع الأجهزة اللوحية وفحصها وصيانتها بالتعاون مع شركة صينية أو أوروبية مؤهلة. ويُختار الشريك بمنافسة تقارن السعر والجودة والضمان ونقل المعرفة وتدريب الكوادر العراقية. يبدأ المشروع بالتجميع والاختبار وتجهيز الأجهزة بالبرمجيات التعليمية وتوفير قطع الغيار ومراكز الصيانة، ثم تُدرس زيادة المكونات والخدمات المحلية وإضافة الحواسيب المكتبية والمحمولة.
تحدد وزارة التربية الحاجة التعليمية، وتساهم وزارة التعليم العالي في الاختبارات والتدريب، وتدرس وزارة الصناعة والمعادن الإنتاج، فيما تضطلع الجهات المختصة بالتجارة والاتصالات بأدوارها ضمن خطة مؤسسية واضحة. وتُحدد مشاركة أي جهة صناعية أو استثمارية أخرى وفق اختصاصها وجدوى مساهمتها.
تحدد الدراسة حجم الطلب والطاقة الإنتاجية والموقع وكلفة المعدات والمكونات وسلسلة التوريد وفرص العمل ونسبة القيمة المضافة المحلية ومخاطر التشغيل. وهي تقارن المنتج المحلي بعروض الاستيراد المتكافئة في المواصفات والضمان.
مركز (ITSSC) مستعد لإعداد دراسة جدوى المشروع الصناعي، ويمكنه، إذا طُلب منه ذلك، المشاركة في تقييم الشريك والإشراف الفني على مراحل التنفيذ والاختبار والتشغيل. ويُحدد نطاق هذا الدور تعاقدياً، مع إجراءات مستقلة للمنافسة والرقابة على الإنفاق.
تقارن الحكومة كلفة الكتب الورقية بكلفة المنصة والأجهزة طوال العمر التشغيلي. ويشمل الحساب سعر الجهاز والحقيبة والشاحن، وتطوير المنصة وتشغيلها، وتدريب المعلمين، والتوزيع، وقطع الغيار والبطاريات والإصلاح والاستبدال. وتُقاس فرص العمل والقيمة المضافة العراقية بصورة منفصلة عن الوفر المباشر في الموازنة؛ لأن بعض المكونات سيظل مستورداً.
تداولت التصريحات أرقاماً عن خفض كلفة طباعة الكتب من 191 ملياراً إلى 50 مليار دينار. ويتطلب استخدامها في نموذج التمويل بياناً رسمياً يوضح السنوات وعدد الكتب وأسباب تغير الكلفة، حتى تكون المقارنة صحيحة. ولا يُعد الفرق بين الرقمين مبلغاً متاحاً تلقائياً لشراء الأجهزة.
تقترح الدراسة تسليم الطالب جهازاً في الصف الأول الابتدائي ليستخدمه حتى السادس، بشرط أن تثبت الاختبارات قدرته على العمل ست سنوات. وتشمل الاختبارات الشاشة والبطارية وتحمل الاستخدام اليومي وتوافر قطع الغيار والتحديثات الأمنية. وإذا أظهرت التجربة عمراً أقصر، تُعدل الخطة والكلفة وفق النتيجة.
يتسلم الطالب الجهاز مع حقيبة واقية وشاحن وإرشادات استخدام. وتوفر الوزارة إصلاحاً وجهازاً بديلاً أو وسيلة أخرى لقراءة المنهج أثناء الصيانة. وتُنظم مسؤولية ولي الأمر عن الإتلاف المتعمد أو الإهمال الجسيم بمعايير معلنة وحق اعتراض، مع مراعاة الأسر محدودة الدخل. وتعالج العيوب المصنعية والاستهلاك الطبيعي ضمن الضمان والصيانة، ويستمر حصول الطالب على الكتاب في جميع الأحوال.
| المرحلة | العمل المطلوب |
| المرحلة الأولى المنصة | دراسة الجدوى، تدقيق المناهج، تطوير الخدمة واختبارها، ثم إتاحة الكتب للقراءة والتنزيل. |
| المرحلة الثانية الصناعة | دراسة جدوى المعمل، تحديد مواصفات الجهاز من واقع استخدام المنصة، وتقييم الشركاء. |
| المرحلة الثالثة التجربة | اختبار الأجهزة المقيدة بالتطبيقات التعليمية في مدارس تمثل ظروفاً ومناطق مختلفة. |
| المرحلة الرابعة التوسع | تقييم التعلم والكلفة والأعطال والصيانة، ثم زيادة الإنتاج والتوزيع وفق النتائج. |
تُنشر نتائج كل مرحلة، ومنها سهولة الوصول إلى الكتب، ورضا المعلمين، وكلفة الجهاز السنوية، ومدة إصلاحه، وفعالية القيود على التطبيقات. ويُراجع قرار التوسع على أساس هذه النتائج.
تتيح المنصة الوطنية منفعة مباشرة للطالب، وتوفر معلومات تساعد على اختيار جهاز مناسب وتقدير كلفة المشروع الصناعي. وإذا أثبتت التجربة جودة الأجهزة وجدوى تجميعها وصيانتها محلياً، يمكن زيادة الإنتاج والتوزيع على مراحل قابلة للقياس والمساءلة.
ويؤكد مركز (ITSSC) استعداده للانتقال من المقترح إلى العمل: إعداد دراستي الجدوى، والمساهمة في تنفيذ المنصة، والإشراف على المشروع الصناعي إذا كُلّف بذلك، وفق نطاق عمل محدد ومعايير فنية وتربوية ومالية قابلة للتحقق.
أعد مدير مركز (ITSSC) هذا المقترح، ويعلن المركز استعداده للتقدم بدور استشاري أو تنفيذي إذا قررت الجهات المختصة المضي في المشروع. ويخضع أي تكليف لإجراءات المنافسة والتعاقد والرقابة المعتمدة، مع الإفصاح عن الدور والمصلحة المحتملة عند تقييم العروض.
[1] هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية، مؤشرات التعليم في العراق. فتح المصدر
[2] الاستراتيجية الوطنية للتعليم في العراق 2022–2031. فتح المصدر
[3] اليونسكو، التقرير العالمي لرصد التعليم 2023: التكنولوجيا في التعليم. فتح المصدر
[4] مقابلة وزير التربية عبد الكريم عبطان، برنامج المقاربة (عراق 24)، كما نقلتها منصة 964 في 20 تشرين الأول 2026. فتح المصدر







