حرية
في لحظة تتجاوز فيها التفاهمات النيابية حدود توزيع المناصب إلى تحديد موازين الرقابة على أداء الحكومة والمال العام، عقدت كتلة ائتلاف دولة القانون النيابية ووزراؤها اجتماعاً في مكتب النائب يوسف الكلابي ببغداد، لبحث التطورات السياسية والإدارية ومرشحي اللجان النيابية واستحقاقاتها الدستورية والنيابية، بالتزامن مع خلافات بشأن حسم رئاسات اللجان، وتصاعد الجدل حول ملفات الديون والاستثمار والاستثناءات الحكومية.
وبحسب المعلومات الواردة عن الاجتماع، تركزت المناقشات على التطورات السياسية والإدارية ومرشحي اللجان النيابية، من دون إعلان تفاصيل بشأن الأسماء المطروحة أو نتائج التفاهمات.
غير أن توقيت الاجتماع يمنحه أهمية إضافية، إذ يأتي عشية تحرك مجلس النواب لاستكمال التصويت على أعضاء اللجان الدائمة ورؤسائها، في ملف لم تنجح الكتل السياسية حتى الآن في حسم جميع تفاصيله.
وكانت القوى السياسية قد واصلت خلال الأيام الماضية مفاوضاتها بشأن توزيع رئاسات اللجان، وفق الأوزان النيابية والتفاهمات بين الكتل.
وأفادت تقارير صحفية بأن الخلافات حول عدد من المناصب أدت إلى تأجيل اجتماع دوري لقادة الإطار التنسيقي، فيما اتجه البرلمان إلى استكمال التصويت على اللجان في جلسة اليوم الخميس 29 تشرين الأول.
وتكتسب هذه المفاوضات أهمية لأن اللجان تمثل إحدى القنوات الأساسية لدراسة التشريعات ومتابعة أداء الوزارات وممارسة الدور الرقابي على المؤسسات التنفيذية.
ولا ينفصل هذا الاستحقاق عن الجدل الذي أثاره النائب يوسف الكلابي خلال الأيام الأخيرة، بعدما طالب بمساءلة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني بشأن ملفات الديون والاستثمار والاستثناءات،
وهي اتهامات طرحها الكلابي في تصريحات علنية، ولم تُحسم صحتها بمجرد طرحها.
وفي 27 تشرين الأول، قررت رئاسة مجلس النواب إحالة الكلابي إلى لجنة السلوك النيابي بناءً على طلب تقدمت به كتلة الإعمار والتنمية، على خلفية تصريحات اعتبرتها مسيئة لرئيسها السوداني.
وأعلنت الكتلة تعليق حضورها جلسات البرلمان قبل أن تتراجع عن المقاطعة عقب قرار الإحالة.
ووسّع الكلابي، في تعليقه على القضية، نطاق الجدل ليشمل ما وصفه بملفات مالية واستثمارية تستوجب المساءلة، معلناً عزمه طلب عقد جلسة علنية لاستضافة السوداني ومناقشة ما أورده بشأن الديون.
كما أشار إلى تصريح منسوب إلى الخطيب جعفر الإبراهيمي بشأن ضرورة محاسبة رئيس الوزراء الذي يتحمل مسؤولية إغراق البلاد بالديون، وفق رواية الكلابي.
ويعكس هذا التداخل بين الخطاب النيابي والمنابر الدينية انتقال النقاش من الأرقام والملفات المالية إلى سجال سياسي واجتماعي بشأن المسؤولية والمحاسبة، من دون أن يغني ذلك عن الأدلة والوثائق والإجراءات القانونية اللازمة للتحقق من الاتهامات.
وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين التنافس على رئاسات اللجان وقدرة البرلمان على أداء دوره الرقابي.
فاختيار رئيس لجنة المالية أو النزاهة أو الاستثمار، على سبيل المثال، لا يمثل مجرد استحقاق حزبي؛ بل يضع صاحبه في موقع مؤثر في إدارة النقاش بشأن الموازنة والإنفاق العام والعقود والمشاريع.
ومن هنا، فإن معيار نجاح التشكيلات الجديدة لا يقتصر على مدى توافقها مع حصص الكتل، بل يشمل استقلالية العمل الرقابي، والقدرة على فحص الملفات المالية بعيداً عن الاصطفافات السياسية.
وتبرز هنا خلفية أخرى تتعلق بمعايير توزيع اللجان نفسها.
فقد شهدت المفاوضات الأخيرة نقاشات بشأن تصنيف اللجان إلى فئات وفق أهميتها، إلى جانب تفاهمات تتعلق بعدم تولي كتلة سياسية رئاسة لجنة نيابية يتصل اختصاصها بحقيبة وزارية تشغلها الجهة نفسها، بهدف الحد من تضارب المصالح وتعزيز الفصل بين المسؤولية التنفيذية والرقابة البرلمانية.
غير أن فاعلية هذه المعايير ستتوقف على تطبيقها عملياً، لا على ورودها في التفاهمات وحدها.
وفي ظل هذا المشهد، يتقدم اجتماع دولة القانون بوصفه جزءاً من الحراك السياسي الرامي إلى تثبيت مواقف الكتلة بشأن الاستحقاقات النيابية، فيما يبقى السؤال الأهم متعلقاً بما ستنتجه هذه التفاهمات من آليات رقابية وتشريعية. فالعراق لا يحتاج إلى توزيع المناصب فحسب، بل إلى لجان قادرة على متابعة تنفيذ الموازنة، وفحص أسباب تعثر المشاريع، والتدقيق في العقود والاستثناءات، وتحديد المسؤوليات عند ثبوت المخالفات.
لكن الخلافات الحالية تجعل الشفافية في توزيع اللجان وأدائها اختباراً مباشراً لمصداقية الخطاب المتعلق بمكافحة الفساد وحماية المال العام.
وسيكون الحكم النهائي على الاجتماع مرتبطاً بما إذا كانت نتائجه ستظهر في مواقف معلنة وأسماء مرشحين ومعايير اختيار واضحة، أم سيبقى ضمن سلسلة التفاهمات المغلقة التي تسبق التصويت داخل البرلمان.








