حرية
تكشف أزمة السكن في العراق عن خلل يتجاوز نقص الوحدات العمرانية إلى طبيعة توزيعها والقدرة على امتلاكها؛ فوجود مساكن تزيد على عدد الأسر لا يعني أن الحاجة السكنية مؤمّنة، في ظل مساكن غير مشغولة أو غير صالحة للعيش، وارتفاع كلفة البناء وأسعار العقارات، واتساع شريحة الأسر التي لا تمتلك منزلاً مستقلاً.
وبين هذه التحديات، تراهن الحكومة على مبادرة المليون قطعة أرض لإعادة تنظيم جانب من ملف الإسكان.
وتقول وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة إن العجز السكني يبلغ نحو مليونين و300 ألف وحدة، وفق بيانات التعداد العام للسكان، فيما أظهرت النتائج وجود فائض في عدد المساكن على عدد الأسر بنحو 286 ألف مسكن.
ويمثل الرقمان مفارقة إحصائية تفسرها الوزارة بأن جزءاً من المساكن غير مشغول أو غير صالح للسكن، فيما يمتلك بعض الأفراد والمستثمرين أكثر من وحدة لأغراض التجارة والاستثمار.
وفي هذا السياق، أوضح المتحدث باسم الوزارة، نبيل الصفار، في تصريح صحفي تابعته (حرية) ، الاثنين (2 تشرين الثاني 2026)، أن العجز لا يعني بالضرورة عدم وجود هياكل عمرانية كافية، بل يرتبط بعدم امتلاك الأسر مساكن مستقلة تلبي احتياجاتها، مشيراً إلى أن الفئات المستهدفة تشمل المستأجرين وسكان العشوائيات والمباني الحكومية والأماكن غير الملائمة للمعيشة.
وتضع هذه المعطيات مسألة السكن في إطار أوسع من توفير الأراضي؛ إذ لا تكفي زيادة عدد القطع أو الوحدات إذا لم تكن متاحة للفئات المحتاجة، أو إذا عجزت الأسر عن تحمل تكاليف البناء والتمويل.
فالأرض غير المخدومة قد تتحول إلى عبء إضافي على المستفيد، خصوصاً إذا لم تتوفر فيها شبكات الماء والكهرباء والصرف الصحي والطرق والمدارس والخدمات الأساسية.
من الوعود السابقة إلى مبادرة المليون قطعة
ولا يأتي التحرك الحالي بمعزل عن مبادرات سكنية سابقة، إذ شهد العراق خلال السنوات الماضية برامج لتوزيع الأراضي، من بينها مبادرة “داري” التي أُطلقت عام 2021، وأُعلن خلالها تخصيص مئات آلاف القطع وإصدار سندات أولية لعدد من المستفيدين.
لكن التجربة واجهت انتقادات بسبب وقوع بعض الأراضي في مناطق بعيدة عن مراكز المدن أو افتقارها إلى الخدمات، ما أبقى الفجوة قائمة بين تخصيص الأرض وتحويلها إلى مسكن قابل للسكن.
كما اتجهت الحكومات إلى مشاريع المدن السكنية والمجمعات الاستثمارية والقروض، إلا أن تنفيذ هذه المسارات اصطدم بتحديات التمويل وتأخر المشاريع وارتفاع تكاليف الإنشاء. ووفق تقرير لوزارة الإعمار أوردته وكالة الأنباء العراقية في أيار 2026، فإن مشروع المليون وحدة سكنية لا يقتصر على توزيع الأراضي، بل يجمع بين المدن الجديدة وأراضي المطور العقاري والمجمعات الاستثمارية، ضمن خارطة أوسع لمعالجة الأزمة.
وفي حزيران 2026، أقر مجلس الوزراء مبادرة المليون قطعة أرض مخدومة، باستثناء محافظات إقليم كردستان، وشكّل لجنة عليا برئاسة رئيس الوزراء وعضوية وزارات ومؤسسات معنية لمتابعة تنفيذها.
وفي أيلول الماضي، أعلنت الهيئة الوطنية للاستثمار اختيار كربلاء نقطة انطلاق للمرحلة الأولى، مع التوجه إلى الانتقال تباعاً للمحافظات التي تستكمل متطلبات التنفيذ، وإلزام المطورين بإيصال البنى التحتية إلى الأراضي.
المطور العقاري أمام اختبار الخدمات والقدرة الشرائية
وتقول الوزارة إن إجراءات تخصيص الأراضي اكتملت ودخل المطورون العقاريون والمستثمرون في محافظات كربلاء والنجف ونينوى، حيث بدأت أعمال البنى التحتية وإيصال الخدمات، فيما تستعد لوضع حجر الأساس لمشاريع في الأنبار، قبل الانتقال إلى بقية المحافظات التي وصلت إلى مراحل متقدمة من الفرز والتهيئة.
ويعكس هذا المسار توجهاً نحو إشراك القطاع الخاص في توفير الخدمات وتقليل الاعتماد على التمويل الحكومي المباشر، لكنه يضع نجاح المبادرة أمام مجموعة من الاختبارات، أبرزها الالتزام بالجداول الزمنية، وضمان جودة البنى التحتية، ومنع تحول الأراضي إلى فرص استثمارية لا يستطيع أصحاب الدخول المحدودة الاستفادة منها.
كما أن شرط عدم امتلاك الأسرة أرضاً أو وحدة سكنية بصورة مستقلة يحدد الفئات المؤهلة، لكنه لا يحسم وحده مسألة القدرة على البناء؛ فالحصول على قطعة أرض لا يعني بالضرورة امتلاك الموارد المالية اللازمة لتشييد منزل عليها، في ظل ارتفاع أسعار مواد البناء وأجور العمل وتكاليف الخدمات.وتواجه الحكومة أيضاً تحدياً يتعلق بتمويل الأسر، إذ سبق أن أعلنت وزارة الإعمار أن قروض صندوق الإسكان لعام 2025 شملت نحو 20 ألف معاملة، بصرف بلغ قرابة 874 مليار دينار، فيما ربطت فتح قبول جديد باستكمال معاملات المتقدمين السابقين.
ويبرز ذلك محدودية قدرة القروض المتاحة على تلبية احتياجات شريحة واسعة من طالبي السكن، مقارنة بحجم العجز المعلن.الاختبار الحقيقي يبدأ بعد توزيع الأراضي
وبين فائض المساكن المسجل والعجز الفعلي في التملك والسكن الملائم، تبدو أزمة العراق مرتبطة بتوزيع العرض السكني وكلفته ونوعية الوحدات المتاحة، بقدر ارتباطها بعددها.
ولذلك لن يقاس نجاح مبادرة المليون قطعة بعدد الأراضي المخصصة أو المستفيدين المسجلين فقط، بل بمدى تحولها إلى أحياء مخدومة ومساكن مكتملة، وبقدرة الأسر المستحقة على بنائها والعيش فيها.
فالمشكلة التي تراكمت عبر سنوات لا تعالجها الأرقام المعلنة وحدها؛ وإنما تتطلب تنسيقاً بين توزيع الأراضي والتخطيط العمراني والتمويل والرقابة على المطورين، حتى لا تتكرر فجوة المبادرات السابقة بين الإعلان والتنفيذ، ويبقى السكن متاحاً على الورق وبعيداً عن قدرة كثير من العراقيين على امتلاكه.







