حرية
تكشف التوجيهات المنسوبة إلى الزعيم الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي بعدم إخراج مخزون اليورانيوم المخصب من البلاد عن تحول حاسم في الموقف الإيراني، يعكس تشددًا متزايدًا في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، ويهدد بتعقيد مسار المفاوضات الهادفة إلى تثبيت وقف الحرب ومنع عودة المواجهة العسكرية.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن القرار الإيراني لا يتعلق فقط بالملف النووي، بل يرتبط مباشرة بعقيدة الأمن القومي الإيراني، إذ ترى طهران أن التخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب سيجعلها أكثر عرضة للابتزاز أو الهجمات المستقبلية، خصوصاً بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت منشآتها خلال الحرب الأخيرة.
ويشير هذا الموقف إلى أن القيادة الإيرانية باتت تتعامل مع اليورانيوم المخصب باعتباره ورقة ردع استراتيجية، وليس مجرد مادة تفاوضية يمكن التنازل عنها بسهولة مقابل تخفيف العقوبات أو التهدئة السياسية.
وفي المقابل، يمثل هذا الملف أحد أهم الخطوط الحمراء بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة، إذ تصر واشنطن وتل أبيب على ضرورة إخراج مخزون اليورانيوم المخصب من إيران كشرط أساسي لأي اتفاق دائم.
كما تكشف تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل لا تنظر إلى نهاية الحرب باعتبارها وقفاً لإطلاق النار فقط، بل باعتبارها عملية شاملة تتضمن:
- إنهاء البرنامج النووي الإيراني عملياً
- تقليص القدرات الصاروخية
- ووقف دعم طهران لحلفائها الإقليميين.
لكن إيران من جهتها ترفض هذه المعادلة، وتعتبر أن الأولوية يجب أن تكون للحصول على ضمانات حقيقية بعدم تكرار الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، قبل الدخول في أي تفاوض تفصيلي حول برنامجها النووي.
وتعكس هذه المواقف حجم أزمة الثقة العميقة بين الطرفين، إذ تخشى طهران أن يكون وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة لإعادة ترتيب الضغوط العسكرية، بينما ترى واشنطن أن إيران تحاول كسب الوقت والحفاظ على قدراتها النووية.
كما أن استمرار الخلاف حول مصير مخزون اليورانيوم يوضح أن المفاوضات دخلت المرحلة الأصعب، لأن القضية لم تعد تقنية فقط، بل تحولت إلى صراع على ميزان القوة والردع في المنطقة.
وتشير التقديرات إلى أن إيران ما تزال تمتلك كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسبة عالية، رغم الضربات التي تعرضت لها منشآتها، وهو ما يبقي المخاوف الغربية والإسرائيلية قائمة بشأن إمكانية اقتراب طهران من “عتبة السلاح النووي”.
وفي محاولة لتجنب الانهيار الكامل للمفاوضات، بدأت تطرح “حلول وسط” مثل:
- خفض مستوى التخصيب
- أو إبقاء المواد تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية
- بدلاً من إخراجها بالكامل من إيران.
غير أن نجاح هذه الصيغ يبقى مرتبطاً بقدرة الوسطاء على تقليص فجوة الثقة بين الجانبين، وهي فجوة اتسعت بشكل كبير بعد الحرب الأخيرة والتهديدات المتبادلة.
ويرى مراقبون أن تمسك إيران بمخزونها النووي يعكس قناعة داخل النظام بأن امتلاك أوراق قوة استراتيجية بات ضرورة للبقاء في بيئة إقليمية شديدة العداء، خصوصاً مع استمرار العقوبات والضغوط العسكرية.
ومع تصاعد التصريحات الأمريكية والإسرائيلية، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث قد تتحول أي انتكاسة في المفاوضات إلى شرارة تعيد المواجهة العسكرية من جديد، في وقت لا تزال فيه أسواق الطاقة والممرات البحرية والأمن الإقليمي تحت ضغط التوتر المستمر بين طهران وواشنطن.







