حسن فحص
قد لا تكون المفاوضات الأميركية – الإيرانية التي بدأت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد وصلت إلى طريق مسدود، لأن الخطوة المتقدمة التي اتخذها كلا الطرفين بالانتقال إلى التفاوض المباشر أو الجلوس في غرفة واحدة مقابل بعضهما بعضاً لم تكن لتحصل لو لم يكونا على قناعة تامة بحاجتهما للتوصل إلى نوع من الاتفاق، يضمن لهما تحقيق الجزء الأكبر من مصالحهما بعد هذه الحرب.
وعلى رغم كل الكلام الذي يتحدث عن أن هذه المفاوضات باتت أقرب إلى الانسداد أو الطريق المسدود، ولن تفضي إلى اتفاق واضح وقابل للاستمرار، وهو ما يجعل الصراع بينهما أقرب إلى حال “لا حرب ولا سلم”، لكن الحقيقة الأقرب إلى الواقعية هي أن كلا الطرفين لا يرغب في استمرارها أو تكريسها كواقع يجب أن يتعايشا معه ويتعاملا مع نتائجه، وهذا ما كشف عنه بوضوح مستوى الوفود المشاركة في الجولة الأولى من التفاوض، ومشاركة كل من نائب الرئيس جي دي فانس ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
وإذا ما كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يحتاج بصورة حاسمة إلى الانتصار في هذه الحرب، فإنه قد يكتفي بإعلان نهايتها في الوقت الذي يحدده أو يراه مناسباً له، بناء على الشروط الداخلية التي تخدم مصالحه السياسية والاقتصادية، بخاصة أن الحصار الاقتصادي الذي فرصه على الموانئ الإيرانية كفيل بأن ينقل تركيز الأزمة وتداعياتها إلى الداخل الإيراني، ويزعزع قدرة النظام على التعامل مع تداعياتها التي ستكون طويلة الأمد.
من هنا فإن الطرف الإيراني سيكون الجهة الأكثر تضرراً من استمرار حال عدم اليقين، أو التأرجح بين الحرب واللا حرب، في ظل استمرار العيش تحت تهديد العودة للمواجهة التي قد تكون أكثر عنفاً وأشد تدميراً للأصول المدنية والبنى التحتية، وهذه المخاوف والحاجة إلى الخروج من حال المراوحة تساعد في فهم الجولة الدبلوماسية التي قام بها وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي إلى إسلام آباد وبعدها العاصمة العُمانية مسقط ثم العودة لإسلام آباد ومن بعدها الانتقال إلى روسيا.
وفي ظل غياب أية خطوة أميركية توحي بإمكان حصول أي تغيير في سقف الشروط التي وضعتها أمام المفاوض الإيراني، فإن جولة عراقجي تكشف بوضوح عن أن النظام أو منظومة القرار في طهران باتت تدرك خطورة وأبعاد الاستمرار في حال المراوحة، وأنها هي التي تبادر إلى تقديم تصورات ومقترحات تعيد تفعيل عجلة التفاوض، أو تساعد في إخراج المفاوضات من خلف الكواليس إلى الواجهة، وتحويلها إلى واقع يؤسس لمرحلة جديد من التفاهم بينها وبين واشنطن، فالمقترحات التي وضعها عراقجي على العواصم الثلاثة التي زارها واستكملها بسلسلة من الاتصالات الهاتفية مع نظرائه في السعودية وتركيا ومصر، لا تخرج عن الإطار الذي سبق أن رسمه سلفه وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف في المقالة التي نشرها عبر مجلة “فورن أفيرز” قبل أسابيع، ووافق مجلس الأمن القومي على كل ما جاء فيها، بخاصة ما يتعلق باعتماد الحل المرحلي للأزمة مع واشنطن، أي الاتفاق على إنهاء الحرب على الجبهتين الإيرانية واللبنانية، وحل أزمة مضيق هرمز وإنهاء العقوبات بصورة تامة، بما يساعد على بناء الثقة بين الطرفين ويمهد الطريق للانتقال إلى المرحلة الثانية المخصصة لموضوع النووي بكل تفاصيله.
وفي مقابل هذه المراحل فإن رهانات إيرانية أخرى بدأت بالظهور، وقد تؤدي دوراً في إقناع واشنطن وإدارة ترمب بخيار تدوير الزوايا والتخفيف من السقوف العالية للشروط التي وضعتها للتفاوض، ولعل أبرز هذه الرهانات تعتمد على التداعيات الاقتصادية الناتجة من استمرار إغلاق مضيق هرمز وتعطيل إمدادات الطاقة والتجارة الدولية، وهو ما قد يدفع الدول في أوروبا وشرق آسيا، تحت تأثير التداعيات السلبية على اقتصاداتها، نحو الدخول في تسوية مباشرة مع إيران وبعيداً من واشنطن، كورقة ضغط تستخدمها طهران في وجه الضغوط التي تتعرض لها من قبل إدارة ترمب.
في المقابل فإن هذه الرهانات لا تنفصل عن محاولة طهران العمل من أجل توزيع الحل على ثلاثة لاعبين أساس تمثلها العواصم التي زارها عراقجي، إذ يلعب الجانب الباكستاني الدور المحوري فيها لجهة تأكيد دوره الوسيط والقادر على تسهيل عملية التفاوض حول جميع الملفات، بما يمثله من عمق إقليمي وإسلامي قادر على تأمين ضمانات سعودية وتركية ومصرية، سواء ما يتعلق بأزمتي مضيق هرمز ووقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، أو لجهة تدوير الزوايا في الموضوع النووي لاحقاً، فضلاً عن كونه الأقدر على مساعدة إيران في تجاوز جزء أساس من تداعيات الحصار البحري الذي فرض عليها، عبر تفعيل الممرات البرية باتجاه شرق آسيا.
وبموازاة التأكيد الإيراني على محورية الدور الباكستاني فإن طهران في حاجة إلى ترتيب تفاهمات عملية مع سلطنة عُمان ترتبط بمستقبل مضيق هرمز وإدارته في المستقبل، بخاصة أن الرؤية الإيرانية لهذا المضيق تقوم على إدارة مشتركة بين البلدين وتقاسم عائدات الضرائب التي ستفرض على مرور السفن والشحنات التجارية والطاقية، ولعل المحطة الروسية في جولة عراقجي، وعلى رغم الملاحظات الكثيرة والتشكيك في الدور الروسي وإمكان استخدام الحاجة الإيرانية كورقة مساومة لتأمين مصالحه مع المجتمع الدولي، لكنها مع ذلك تعتبر المحطة الأكثر أهمية والمؤشر الأبرز على جهود طهران في إيجاد مخرج يرضي جميع الأطراف، في سياق البحث عن حلول لمعضلة المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب بدرجة 60 في المئة، والتي من المفترض أن تشكل جوهر وأساس المفاوضات خلال المرحلة الثانية التي تقترحها طهران، وقد تتضمن الرؤية الإيرانية مقترحاً توافق فيه على نقل نصف هذا المخزون إلى روسيا، وتحتفظ بالنصف الباقي وتعمل على تخفيف درجة تخصيبه تحت إشراف ورقابة دولية وأميركية مشددة، وبالتالي العودة بصورة غير مباشرة لمفاد اتفاق عام 2015.
وعلى رغم هذه الأدوار التي قد تؤديها هذه الدول في دفع طرفي الأزمة نحو التوصل إلى مذكرة تفاهم تؤسس لمسار تفاوضي جدي ينتهي باتفاق نهائي مستقر، لكن أي اتفاق من هذا النوع يبقى في حاجة إلى ضامن قوي قادر على تأمين استمرار الالتزام به وتطبيقه، وهنا تبرز أهمية الدور الصيني الذي يبدو أنه خارج دائرة الأضواء ولا يزال يدرس خطواته قبل إعلان دخوله المباشر على خط الحلول والضمانات، بخاصة أنه قد يكون الأكثر تضرراً من استمرار هذه الأزمة وتداعياتها على أسواق الطاقة والأنشطة الاقتصادية.







