د.هبة السامرائي
(إن الحيوانات تلد حيوانات، أما الإنسان فلا يُولد إنساناً، بل لا بد أن تُربيه ليصبح كذلك)
تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى غريبة أو متناقضة، فالإنسان من الناحية البيولوجية يولد إنساناً بلا شك، لكنه من الناحية الأخلاقية والروحية والحضارية لا يصبح إنساناً بمجرد ولادته. إنه يولد كائناً بشرياً يحمل الاستعداد لأن يكون إنساناً، لكنه يحتاج إلى رحلة طويلة من التربية والتهذيب والتعلم حتى تتحقق فيه إنسانيته الكاملة.
فالحيوان يولد مزوداً بغرائزه الأساسية التي ترشده إلى معظم ما يحتاجه للبقاء؛ فهو يعرف كيف يبحث عن غذائه، وكيف يحتمي من الخطر، وكيف يمارس سلوكياته الفطرية التي أودعتها الطبيعة فيه. أما الإنسان، فرغم ما أوتي من عقل وقدرة على التفكير، فإنه يولد عاجزاً عن معرفة الخير والشر، والعدل والظلم، والرحمة والقسوة، والصدق والكذب. إنه يولد صفحة قابلة لأن يُكتب عليها كل شيء، ولهذا كانت التربية هي التي تصنع منه إنساناً بالمعنى الحقيقي للكلمة.
إن الفرق بين الكائن البشري والإنسان يشبه الفرق بين المادة الخام والتحفة الفنية. فالمادة الخام موجودة منذ البداية، لكن التحفة لا تظهر إلا بعد جهد طويل من الصقل والتشكيل والإبداع. كذلك يولد البشر أجساداً تحمل إمكانات هائلة، لكن الإنسانية لا تتجلى إلا حين تُصقل النفوس بالقيم، وتُهذّب الأخلاق، ويُربّى الضمير على معرفة الحق والخير والجمال.
إن مفهوم الإنسانية أعمق بكثير من مجرد الانتماء إلى الجنس البشري. فالإنسانية ليست شكلاً خارجياً، ولا اسماً يُمنح عند الولادة، ولا وثيقة تثبت الهوية. الإنسانية حالة أخلاقية وروحية وفكرية، تجعل صاحبها يشعر بآلام الآخرين كما يشعر بآلامه، ويفرح لفرحهم كما يفرح لنفسه، ويعامل الناس بكرامة واحترام مهما اختلفت ألوانهم أو أديانهم أو أوطانهم.
فالإنسان الحقيقي هو الذي يمتلك قلباً يعرف الرحمة، وعقلاً يعرف الحكمة، وضميراً يعرف العدل. وهو الذي يستطيع أن ينتصر على أنانيته وغرائزه حين تتعارض مع الحق. ولهذا كانت الإنسانية انتصاراً دائماً للقيم العليا على النزعات الدنيا، وللضمير على الشهوة، وللحق على المصلحة الضيقة.
ولو تأملنا تاريخ البشرية لوجدنا أن أعظم الشخصيات لم تصبح عظيمة لأنها وُلدت مختلفة عن غيرها، وإنما لأنها تربت على مبادئ سامية. فكل فضيلة يحملها الإنسان اليوم كانت في الأصل قيمة تعلمها أو قدوة اقتدى بها أو تجربة صقلت روحه. فالصدق يُكتسب، والأمانة تُكتسب، والرحمة تُكتسب، والتسامح يُكتسب، والعدل يُكتسب. وهذه الصفات لا تنمو تلقائياً كما تنمو أعضاء الجسد، بل تحتاج إلى رعاية مستمرة كما تحتاج الزهرة إلى الماء والضوء حتى تتفتح.
ومن هنا تظهر أهمية الأسرة بوصفها المدرسة الأولى للإنسانية. ففي أحضان الأسرة يتعلم الطفل أولى معاني الحب، ومن سلوك والديه يكتشف معنى الاحترام، ومن معاملتهم للآخرين يدرك معنى الرحمة والإنصاف. والطفل لا يتعلم بالقوانين والخطب وحدها، بل يتعلم بالنماذج الحية التي يراها كل يوم. فإذا نشأ في بيئة يسودها الصدق، أصبح الصدق جزءاً من شخصيته، وإذا تربى على الكذب والعنف والاحتقار، تشكلت شخصيته على هذه الأسس المشوهة.
ثم تأتي المدرسة لتكمل ما بدأته الأسرة، ليس بتلقين المعلومات فحسب، بل بغرس القيم وتنمية الوعي. فالعلم الذي لا تصاحبه أخلاق قد يتحول إلى وسيلة للضرر بدل النفع. ولذلك فإن بناء الإنسان أهم من بناء المعارف وحدها، لأن المعرفة تحدد ما يستطيع الإنسان أن يفعله، أما الأخلاق فتحدد ما ينبغي عليه أن يفعله.
كما يلعب المجتمع دوراً محورياً في صناعة الإنسان. فالفرد يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، ويكتسب من ثقافتها وعاداتها وأساليب تعاملها. ولهذا فإن المجتمعات التي تحتفي بالفضيلة والعدل والتعاون تنتج أفراداً أكثر إنسانية، بينما تؤدي البيئات التي تمجد الأنانية والعنف والكراهية إلى تشويه القيم الإنسانية في النفوس.
ولكي يصبح الكائن البشري إنساناً بحق، لا بد من مجموعة من المقومات الأساسية. أول هذه المقومات هو الوعي؛ لأن الإنسان الذي لا يفكر ولا يراجع أفكاره يعيش أسيراً لعاداته وغرائزه. وثانيها الضمير الحي الذي يراقب الأفعال ويحاسب النفس قبل أن يحاسبها الآخرون. وثالثها الرحمة التي تجعل الإنسان قادراً على فهم معاناة غيره والشعور بها. ورابعها العدل الذي يمنعه من ظلم الآخرين مهما كانت الظروف. وخامسها المسؤولية التي تجعله يدرك أن أفعاله تؤثر في محيطه وفي العالم من حوله.
أما الخطوات الضرورية لصناعة الإنسان، فتبدأ بالتربية الأخلاقية منذ الصغر، ثم تنمية التفكير النقدي الذي يساعد الفرد على التمييز بين الصواب والخطأ، ثم تعويده على احترام الآخر وقبول الاختلاف، ثم تدريبه على تحمل المسؤولية، وأخيراً تشجيعه على خدمة مجتمعه والإسهام في الخير العام. فالإنسانية لا تُقاس بما يملكه المرء من مال أو نفوذ أو معرفة، وإنما بما يقدمه من خير للناس وما يتركه من أثر طيب في حياتهم.
إن الإنسان مشروع دائم الاكتمال، ورحلة لا تنتهي من التعلم والارتقاء. ففي كل يوم يُمنح فرصة جديدة ليكون أكثر إنسانية مما كان عليه بالأمس. وكل قيمة يكتسبها، وكل خلق نبيل يتمسك به، وكل خير يقدمه للآخرين، يقرّبه خطوة من المعنى الحقيقي للإنسان.
وهنا ندرك أن الإنسانية ليست نتيجة حتمية للولادة، بل ثمرة للتربية والاختيار والسلوك.
ولهذا يمكن القول إن الحيوانات تلد حيوانات، أما الإنسان فإنه يولد بشراً يحمل إمكانية أن يصبح إنساناً. وبين الميلاد والإنسانية مسافة طويلة لا يقطعها الجسد، بل تقطعها التربية. ولا يعبرها العمر، بل تعبرها القيم. ولا ينجزها الزمن، بل ينجزها الوعي والضمير والأخلاق.
فالإنسان لا يُقاس بما وُلد عليه، بل بما أصبح عليه. ولا تُعرّفه هيئته الخارجية، بل جوهره الداخلي. وحين تمتلئ روحه بالرحمة، وعقله بالحكمة، وسلوكه بالعدل، وقلبه بالمحبة، عندها فقط يستحق أن يُقال عنه لقد وُلد بشراً، ثم أصبح إنساناً …






