حرية
دعا البابا ليو، بابا الفاتيكان، اليوم الأحد، إلى وقف أعمال العنف ضد المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية، محذراً من استمرار التصعيد في ظل تزايد هجمات المستوطنين الإسرائيليين وتشديد الإجراءات المفروضة على عدد من البلدات الفلسطينية.
وقال البابا، خلال وجوده في مقر إقامته بمدينة كاستل جاندولفو قرب روما، إنه يجدد نداءه لوقف ما وصفه بأعمال العنف المتكررة بحق المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية، مطالباً المجتمع الدولي بالتحرك بصورة عاجلة لدفع مسار حل الدولتين باعتباره الطريق إلى تحقيق سلام عادل ودائم.
وجاءت تصريحات البابا في وقت تتصاعد فيه التوترات في الضفة الغربية، بالتزامن مع تقارير عن تعرض بلدة قصرة لإجراءات حصار وقطع للمياه والكهرباء عن عدد من المنازل، وسط اتهامات من جماعات حقوقية بوجود محاولات منظمة لتوسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية.
وتحمل دعوة البابا أهمية سياسية ودينية في آن واحد، إذ لا تأتي فقط في سياق التعبير عن القلق من العنف، وإنما تعيد التأكيد على موقف الفاتيكان التقليدي الداعم لقيام دولة فلسطينية، وعلى ضرورة معالجة جذور الصراع بدلاً من الاكتفاء باحتواء موجات العنف المتكررة.
الضفة الغربية تعود إلى واجهة الأزمة
ورغم أن الاهتمام الدولي غالباً ما ينصب على قطاع غزة، فإن التطورات في الضفة الغربية تكشف عن مسار آخر للصراع لا يقل خطورة، يتمثل في توسع المستوطنات وتصاعد الاحتكاكات بين الفلسطينيين والمستوطنين والإجراءات العسكرية والأمنية الإسرائيلية.
وتقول الأمم المتحدة ومعظم الحكومات إن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة مخالفة للقانون الدولي، بينما ترفض إسرائيل توصيف الضفة الغربية باعتبارها أرضاً محتلة، وتعتبرها أرضاً متنازعاً عليها.
وتعود جذور الوضع الحالي إلى حرب عام 1967، عندما سيطرت إسرائيل على الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ومنذ ذلك الحين بقيت مسألة المستوطنات والسيادة على الأراضي الفلسطينية واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في أي مفاوضات سلام.
المستوطنات أمام اختبار دولي
ويأتي تصاعد النشاط الاستيطاني في ظل حكومة إسرائيلية يمينية، حيث يدافع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش عن توسيع الاستيطان باعتباره وسيلة لإنهاء احتمالات قيام دولة فلسطينية.
وهنا تتقاطع دعوة البابا مع واحدة من أكثر نقاط الخلاف حساسية في الصراع، إذ إن استمرار التوسع الاستيطاني وتغيير طبيعة الأرض قد يجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أكثر صعوبة، حتى في حال عودة الأطراف مستقبلاً إلى طاولة المفاوضات.
ومن هذه الزاوية، فإن مطالبة البابا المجتمع الدولي بالتحرك لا تستهدف العنف وحده، وإنما تحمل دعوة للحفاظ على إمكانية الحل السياسي قبل أن تصبح الوقائع الميدانية أكثر صعوبة في التغيير.
الفاتيكان يعيد طرح حل الدولتين
يتمسك الفاتيكان منذ سنوات بحل الدولتين، وهو موقف يكتسب أهمية خاصة مع اتساع دائرة الدول التي تعترف بالدولة الفلسطينية.
ويرى الفاتيكان أن تحقيق السلام لا يمكن أن يقوم على إدارة الصراع بصورة دائمة، وإنما يحتاج إلى معالجة سياسية تضمن حقوق الشعبين وتؤسس لتعايش مستقر.
وتأتي تصريحات البابا ليو في هذا السياق، لتضع المجتمع الدولي أمام معادلة واضحة: استمرار العنف في الضفة الغربية، إلى جانب التوسع الاستيطاني، لا يمثل مجرد أزمة أمنية محلية، بل تهديداً مباشراً لأي فرصة مستقبلية لتسوية سياسية.
رسالة تتجاوز الضفة
وتكشف تصريحات البابا عن محاولة لإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الخطاب الدولي، في وقت يخشى فيه أن يؤدي استمرار التصعيد في غزة والضفة الغربية إلى تآكل فرص التسوية السياسية تدريجياً.
فالضفة الغربية تمثل الجزء الأساسي من الأراضي التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية إلى جانب قطاع غزة، وأي تغيير دائم في واقعها الجغرافي أو السكاني ستكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل حل الدولتين.
وبالتالي، فإن دعوة البابا لوقف العنف لا تبدو مجرد موقف أخلاقي أو ديني، بل تحمل رسالة سياسية إلى المجتمع الدولي بضرورة التحرك قبل أن تتحول التطورات الميدانية إلى واقع يصعب التراجع عنه.
وفي المحصلة، يعيد الفاتيكان وضع الضفة الغربية في صدارة المشهد، محذراً من أن استمرار العنف والتوسع الاستيطاني قد لا يؤدي فقط إلى مزيد من الضحايا، بل إلى تقويض الأساس الجغرافي والسياسي الذي يقوم عليه حل الدولتين.
فالسؤال لم يعد فقط كيف يمكن وقف جولة جديدة من العنف، بل ما إذا كان المجتمع الدولي قادراً على الحفاظ على إمكانية قيام تسوية سياسية قبل أن تتغير حقائق الأرض بصورة تجعلها أكثر صعوبة من أي وقت مضى.







