تشهد الساحة العراقية بين فترة وأخرى احتجاجات يقودها خريجون وشباب للمطالبة بالتعيين في مؤسسات الدولة، وقد تتطور بعض هذه الاحتجاجات إلى قطع طرق أو تعطيل حركة المواطنين والخدمات، في محاولة للضغط على حكومة علي الزيدي في أشهرها الأولى، من أجل الاستجابة للمطالب.
وبعيداً عن حق الخريجين في المطالبة بفرص العمل، فإن استمرار معالجة ملف البطالة من خلال التعيين الحكومي وحده يضع الدولة أمام مشكلة أكبر، تتمثل في تضخم الجهاز الإداري وارتفاع النفقات الجارية، من دون معالجة حقيقية لجذور المشكلة.
ويوم أمس، وجهت وزارة الصحة طلباً إلى وزارة المالية لتخصيص 200 ألف درجة وظيفية ضمن موازنة 2027، لمعالجة ملف المتبقين من خريجي التدرج الطبي.
ووفقا لوثيقة صادرة من الوزارة، فأنها“خاطبت وزارة المالية بتضمين درجات وظيفية للمشمولين بقانون التدرج الطبي للمتبقي من خريجي 2022/ 2023 و خريجي 2023/ 2024 و خريجي 2024/2025 بعدد إجمالي قدره (200000) درجة وظيفية ضمن موازنة 2027″.
الضغط على الحكومة وتشتيت السيطرة
يمكن النظر إلى ملف قطع الطرق والاحتجاجات المرتبطة بالتعيين ضمن سياق أوسع يتعلق بقدرة الدولة على فرض القانون وتنظيم المجال العام، فحين تتحول المطالب الاجتماعية إلى تعطيل للطرق أو للمرافق العامة، يصبح التحدي أمام الحكومة مزدوجاً: الاستجابة للمطالب المشروعة من جهة، والحفاظ على هيبة الدولة وحق المواطنين في التنقل والعمل من جهة أخرى.
وهنا تبرز أهمية الربط بين تعزيز سلطة الدولة في تنظيم الاحتجاجات وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية؛ لأن بناء دولة قوية لا يتحقق فقط من خلال القرارات الأمنية، وإنما أيضاً من خلال قدرة الحكومة على إدارة الملفات الاجتماعية والاقتصادية بعيداً عن الضغوط التي قد تؤدي إلى إرباك مؤسسات الدولة أو تشتيت أولوياتها.
ويقول متظاهر من الخريج القدامى، إن”الدولة تحدثت عن تخصيص 150 ألف درجة وظيفية للخريجين القدامى ونحن نطالب بتضمينها في موازنة العام المقبل”.
وهذه الدرجات الوظيفية بحسب المتظاهر، قد تكون كافية لتعيين أغلب الخريجين القدامى، مبينا أن”الحديث عن عدم وجود أموال الدولة يتنافى مع ما يتم كشفه من ملفات فساد”.
وسبق لمجلس الخدمة الاتحادي، أن كشف عن تفاصيل مقترح قانون الخريجين القدامى، مشيرا الى انه يتضمن استحداث 150 ألف درجة وظيفية.
وقال المتحدث الرسمي باسم المجلس فاضل الغراوي، إن “مقترح تشريع قانون الخريجين القدامى يمثل مبادرة برلمانية تقدم بها عدد من أعضاء مجلس النواب، ويستهدف معالجة ملف الخريجين الذين مضى على تخرجهم خمس سنوات فأكثر من حملة شهادات البكالوريوس والدبلوم والشهادات الأخرى”.
العراق لا يحتاج إلى موظفين بقدر حاجته إلى تنظيم إداري
المشكلة الأساسية ليست في قلة الوظائف الحكومية فقط، وإنما في النموذج الاقتصادي الذي جعل الوظيفة الحكومية الخيار الأول لدى شريحة واسعة من المجتمع.
فالعراق بحاجة إلى إعادة تنظيم الجهاز الإداري، ورفع كفاءة المؤسسات، وربط التوظيف بالحاجة الفعلية والاختصاص، بدلاً من الاستمرار في استحداث وظائف لا يحتاجها الجهاز الحكومي.
إن زيادة أعداد الموظفين من دون تطوير الإنتاج والخدمات ستؤدي في النهاية إلى زيادة العبء على الموازنة، في حين أن الاقتصاد الحقيقي يحتاج إلى قطاعات إنتاجية واستثمارية قادرة على خلق فرص عمل مستدامة خارج الدولة.
تغيير ثقافة المجتمع تجاه العمل
الحل لا يقتصر على الحكومة، بل يحتاج إلى تغيير تدريجي في الثقافة المجتمعية تجاه مفهوم العمل.
فبدلاً من ترسيخ فكرة أن نجاح الخريج يبدأ وينتهي بالحصول على تعيين حكومي، يجب تشجيع الشباب على العمل الحر، والتجارة، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والاستثمار، وتطوير المهارات التي يحتاجها القطاع الخاص.
كما ينبغي أن تتحول ثقافة المجتمع من انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرصة، وأن يُنظر إلى الشاب الذي يؤسس مشروعاً أو شركة ويخلق فرص عمل للآخرين باعتباره نموذجاً للنجاح، لا باعتباره أقل شأناً من الموظف الحكومي.
التقاعد والضمان الاجتماعي
من الملفات المرتبطة أيضاً بهذه الثقافة هو موضوع التقاعد؛ إذ ينظر جزء من المجتمع إلى التقاعد الحكومي باعتباره الضمان الأساسي للمستقبل.
وهنا تبرز الحاجة إلى تعزيز الوعي بمفهوم الضمان الاجتماعي وتوسيع قاعدة المشمولين به، بما يوفر حماية اجتماعية للعاملين في القطاع الخاص وأصحاب الأعمال والمهن الحرة.
إن تطوير نظام الضمان الاجتماعي بصورة فعالة يمكن أن يساعد في تقليل ارتباط المواطن بالوظيفة الحكومية باعتبارها الطريق الوحيد للحصول على راتب أو تقاعد مستقبلي، ويمنح الشباب مساحة أكبر للعمل في القطاع الخاص والمشاريع الحرة مع وجود حماية اجتماعية مناسبة.







