حرية
لا تبدو الخطة الإسرائيلية الجديدة في جنوب لبنان انسحابًا بالمعنى الفعلي، بقدر ما تمثل محاولة لإعادة رسم حدود المنطقة التي تريد إسرائيل إبقاءها تحت سيطرتها العسكرية، عبر الانتقال من «الخط الأصفر» الحالي إلى ما بدأت أوساط أمنية إسرائيلية تسميته «الخط الرمادي».
حزام أمني بعمق 3 إلى 4 كيلومترات
وبحسب تقرير لهيئة البث الإسرائيلية، تدرس المؤسسة الأمنية تقليصًا كبيرًا للقوات المنتشرة في جنوب لبنان والانسحاب من بعض المواقع المتقدمة، مقابل إنشاء حزام أمني جديد يمتد داخل الأراضي اللبنانية لمسافة تتراوح بين 3 و4 كيلومترات من الحدود.
وتقضي الخطة، التي لم تُستكمل بعد ولم تحصل على موافقة المستوى السياسي الإسرائيلي، بإنشاء مواقع عسكرية جديدة على طول الخط المقترح، تتمركز فيها القوات الإسرائيلية تحت عنوان حماية المستوطنات الشمالية ومنع حزب الله من الاقتراب مجددًا من الحدود.
لكن الحديث عن تقليص الانتشار لا يعني انسحابًا كاملًا، إذ إن إبقاء القوات الإسرائيلية على عمق يصل إلى 4 كيلومترات يعني عمليًا استمرار وجودها داخل شريط من الأراضي اللبنانية، يضم بلدات وأحياء وأراضي زراعية، ويحدّ من قدرة الأهالي على العودة إلى منازلهم واستثمار أراضيهم.
أين سيمر «الخط الرمادي»؟
غياب خريطة رسمية للخط المقترح يفتح الباب أمام مجموعة من الأسئلة الأساسية: ما القرى والمناطق التي ستقع ضمنه؟ وهل سيُرسم وفق مسافة ثابتة من الحدود، أم استنادًا إلى المرتفعات والمواقع العسكرية التي ترغب إسرائيل في الاحتفاظ بها؟
وتبرز هنا بلدات حدودية عدة، بينها الخيام وميس الجبل وعيتا الشعب والعديسة وكفركلا والناقورة، من دون أن يكون واضحًا حتى الآن ما إذا كانت أجزاء منها ستدخل ضمن نطاق الخط المقترح.
علي الطاهر في قلب الخطة
ويرتبط طرح «الخط الرمادي»، وفق الرواية الإسرائيلية، بانتهاء العمليات في مرتفعات علي الطاهر وتدمير البنية التحتية والأنفاق التي تقول إسرائيل إنها عثرت عليها داخل التلة.
وترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن السيطرة على المرتفعات سمحت لها بإعادة النظر في حجم انتشار قواتها واختيار خط دفاعي أقرب إلى الحدود.
لكن الانتقال من مواقع متقدمة إلى مواقع أقل عمقًا لا يلغي جوهر المشكلة، إذ إن الخطة، حتى في صيغتها الأكثر تقليصًا، تُبقي قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، فيما يرتبط الانسحاب الكامل بشروط أمنية وسياسية لم تُحسم بعد، من بينها انتشار الجيش اللبناني، ومستقبل سلاح حزب الله، ونتائج المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة.
خطة عسكرية أم ورقة تفاوض؟
وقد يكون تسريب فكرة «الخط الرمادي» جزءًا من مسار تفاوضي أكثر منه إعلانًا عن خطة عسكرية نهائية.
فإسرائيل تستطيع تقديم تقليص انتشار قواتها باعتباره تنازلًا، في وقت تحتفظ فيه عمليًا بحزام أمني داخل لبنان، وتطالب بيروت في المقابل بخطوات تتعلق بحصرية السلاح والترتيبات الأمنية جنوب الليطاني.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية متعلقًا بمصير المناطق التي قد تنسحب منها إسرائيل: هل ستُسلّم مباشرة إلى الجيش اللبناني وفق جدول زمني واضح، أم ستُترك مناطق مدمرة ومكشوفة وتحت المراقبة والنيران الإسرائيلية؟
لا خريطة نهائية حتى الآن
حتى الآن، لا توجد خريطة نهائية للخط المقترح، ولا موافقة سياسية إسرائيلية عليه، ولا اتفاق مع لبنان بشأن آلية تنفيذه.
لذلك يبقى «الخط الرمادي» مشروعًا قيد البحث، لكن دلالته السياسية والأمنية واضحة: إسرائيل لا تبحث فقط عن تقليص وجودها العسكري في جنوب لبنان، بل عن صيغة جديدة تحافظ من خلالها على شريط أمني داخل الأراضي اللبنانية، مع تقليل كلفة الانتشار المباشر.
وبذلك، قد يتغير لون الخط واسمه، لكن السؤال الأساسي يبقى نفسه: هل يكون «الخط الرمادي» خطوة نحو الانسحاب، أم إعادة رسم للحزام الأمني الإسرائيلي داخل جنوب لبنان؟







