حرية
تشهد الصناعات الإبداعية في المملكة المتحدة، التي أنتجت أعمالاً عالمية مثل هاري بوتر ومستر بين وأديل وبيبا بيغ وداونتون آبي، تحولاً عميقاً مع تصاعد تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي بات يهدد الأسس التقليدية التي تقوم عليها هذه الصناعات.
وتُقدّر مساهمة القطاع الإبداعي البريطاني بنحو 150 مليار جنيه إسترليني سنوياً (ما يقارب 200 مليار دولار)، أي ما يعادل نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعله أحد أهم مصادر “القوة الناعمة” والنفوذ الثقافي والاقتصادي للمملكة المتحدة.
غير أن هذا القطاع يواجه اليوم تحديات متزايدة بفعل التحولات التكنولوجية المتسارعة، إذ يشير تحليل اقتصادي إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ يقوض مفهوم “ندرة الإبداع” الذي كان أساساً لقيمة الصناعات الفنية والإنتاج الثقافي، حيث أصبح بالإمكان إنتاج محتوى إبداعي بكلفة أقل وبسرعة أعلى، وبمستويات متزايدة من التشابه مع الأعمال البشرية.
ويحذر التقرير من أن التحول لا يقتصر على استبدال بعض الوظائف، بل يمتد إلى إعادة تعريف طبيعة العمل الإبداعي نفسه، حيث لم يعد التحدي في “من ينفذ العمل”، بل في “من يحدد ما يستحق أن يُنتج أصلاً”.
وفي سياق المقارنة التاريخية، يشير التحليل إلى تجربة عصر النهضة في إيطاليا، حين أدت الابتكارات التقنية إلى كسر احتكار الحرفيين التقليديين، وتحول الإبداع من مهارة فردية مغلقة إلى منظومة أكثر تعاوناً وتنظيماً، لكنها خضعت في الوقت نفسه لأطر تنظيمية ونقابية حافظت على جودة الإنتاج.
أما اليوم، فيبدو أن الذكاء الاصطناعي يكرر هذا التحول ولكن بوتيرة أسرع وبدون أطر حوكمة واضحة، إذ أظهر تقرير “سبارك 2026” أن أكثر من نصف وكالات الإبداع في المملكة المتحدة تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي دون سياسات تنظيمية أو تدريب كافٍ، ما يفتح الباب أمام مخاطر قانونية تتعلق بالملكية الفكرية وجودة المحتوى.
كما أشار التقرير إلى أن نحو 47% من الاستوديوهات تستخدم الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأفكار والمحتوى الإبداعي، مقارنة بـ27% فقط قبل ستة أشهر، ما يعكس تسارعاً كبيراً في تبني هذه التكنولوجيا داخل القطاع.
ويرى محللون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في غياب “الحوكمة الإبداعية” التي تنظم العلاقة بين التكنولوجيا والإنتاج الفني، محذرين من أن الفوضى التنظيمية قد تؤدي إلى تضخم إنتاجي بلا معايير واضحة للتمييز بين الجودة والابتكار.
وفي ظل هذا المشهد المتغير، يبقى السؤال مفتوحاً حول مستقبل الإبداع: هل يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إضعاف القيمة الفنية، أم أنه يعيد توزيعها من الإنتاج إلى التقييم والاختيار، كما حدث في تحولات تاريخية سابقة؟






