د. محمد عبد الستار البغدادي
يعد العراق واحدا من أغنى دول المنطقة بالموارد الطبيعية، إذ يمتلك احتياطيات نفطية هائلة وإمكانات اقتصادية متنوعة تؤهله لأن يكون قوة اقتصادية مؤثرة في الشرق الأوسط. ومع ذلك، ما زال المواطن العراقي يتساءل في كل عام مع إقرار الموازنة العامة: أين تذهب أموال العراق؟ ولماذا لا تنعكس هذه الموارد الضخمة على مستوى الخدمات والتنمية وفرص العمل والبنى التحتية بالشكل الذي يتناسب مع حجم الإيرادات المتحققة؟
إن المتابع للموازنات العراقية خلال السنوات الماضية يلاحظ بوضوح أن الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي يذهب إلى الرواتب والأجور والمخصصات والرعاية الاجتماعية والنفقات التشغيلية، بينما تبقى حصة المشاريع الاستثمارية والتنموية أقل بكثير من الطموح والحاجة الفعلية للبلاد. وباتت الدولة العراقية تتحمل عبئا ماليا متزايدا نتيجة تضخم الجهاز الحكومي واتساع قاعدة الموظفين والمتقاعدين والمستفيدين من برامج الدعم المختلفة، الأمر الذي جعل باب الرواتب يستحوذ على القسم الأعظم من الإنفاق العام.
ولا شك أن الرواتب تمثل حقا مشروعا للموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة، كما أنها تشكل مصدر دخل رئيسيا لملايين العائلات العراقية، وبالتالي فإن أي حديث عن الإصلاح المالي لا ينبغي أن يفهم على أنه دعوة للمساس بحقوق المواطنين أو تقليل أهمية الاستقرار الوظيفي. غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في اختلال التوازن بين الإنفاق التشغيلي والإنفاق الاستثماري، حيث أصبحت الحكومات المتعاقبة منشغلة بتأمين الرواتب والنفقات الجارية أكثر من انشغالها ببناء اقتصاد منتج قادر على خلق الثروة وفرص العمل.
لقد تحولت الوظيفة الحكومية في العراق إلى الحلم الأول لغالبية الشباب والخريجين، ليس لأنها الأكثر إنتاجية أو إبداعا، بل لأنها توفر الأمان الوظيفي في ظل ضعف القطاع الخاص وغياب المشاريع الصناعية والزراعية الكبرى القادرة على استيعاب الطاقات البشرية. وبدلا من أن تكون الدولة جهة منظمة ومحفزة للنشاط الاقتصادي، أصبحت المشغل الأكبر والأول في البلاد، وهو وضع لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، خصوصا مع الزيادة السكانية المتسارعة وارتفاع أعداد الخريجين سنويا.
إن الاقتصادات الناجحة في العالم لا تعتمد على الإنفاق الاستهلاكي وحده، بل ترتكز على الاستثمار المنتج الذي يخلق دورة اقتصادية متكاملة. فالمصنع يوفر فرص العمل ويزيد الإنتاج المحلي، والمشروع الزراعي يحقق الأمن الغذائي ويقلل الاستيراد، والبنية التحتية المتطورة تجذب المستثمرين وتخفض كلف الإنتاج، والتكنولوجيا تفتح آفاقا جديدة للنمو. أما عندما تذهب غالبية الموارد إلى النفقات التشغيلية، فإن الاقتصاد يفقد جزءا كبيرا من قدرته على النمو والتوسع وتحقيق الاستدامة.
ومن المؤسف أن العراق، رغم ما يمتلكه من إمكانات، ما زال يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط كمصدر رئيس للإيرادات العامة. وهذا الاعتماد يجعل الاقتصاد عرضة للتقلبات العالمية، حيث يمكن لأي انخفاض في أسعار النفط أن ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في تمويل التزاماتها. وقد شهد العراقيون خلال السنوات الماضية كيف أدت الأزمات النفطية إلى ضغوط مالية كبيرة أثارت المخاوف بشأن الرواتب والمشاريع والخدمات.
إن التحدي الأكبر لا يتمثل في حجم الإيرادات التي تحققها الدولة، بل في كيفية إدارتها وتوجيهها. فالمليارات التي تدخل إلى الخزينة سنويا يجب أن تتحول إلى مصانع ومدن صناعية ومشاريع زراعية وموانئ حديثة وشبكات نقل متطورة ومدارس ومستشفيات ومراكز أبحاث. هذه المشاريع هي التي تصنع المستقبل وتوفر مصادر دخل مستدامة للأجيال القادمة، بينما تبقى النفقات التشغيلية محدودة الأثر على التنمية طويلة الأمد.
كما أن استمرار الاعتماد على التوظيف الحكومي كحل لمشكلة البطالة يحمل مخاطر كبيرة على المدى البعيد. فالدولة لا تستطيع استيعاب جميع الخريجين والباحثين عن العمل إلى ما لا نهاية، كما أن تضخم الجهاز الإداري يؤدي إلى انخفاض الكفاءة وارتفاع النفقات دون تحقيق عوائد اقتصادية حقيقية. ولذلك فإن الحل يكمن في خلق بيئة استثمارية جاذبة تتيح للقطاع الخاص أن يكون شريكا أساسيا في عملية التنمية، وأن يتحمل دورا أكبر في تشغيل الشباب وتحريك عجلة الاقتصاد.
إن العراق اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة رسم أولوياته الاقتصادية. فالمشاريع الاستراتيجية الكبرى، وتطوير المنافذ الحدودية، وتعزيز الاستثمار المحلي والأجنبي، واستثمار موقع العراق الجغرافي كممر تجاري إقليمي، ودعم الصناعة والزراعة والسياحة، كلها خيارات قادرة على تحويل الاقتصاد من اقتصاد ريعي يعتمد على النفط إلى اقتصاد متنوع وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل الأجيال القادمة من دون الحديث عن الاستثمار. فكل دينار يهدر اليوم في إنفاق غير منتج يعني فرصة ضائعة لأبنائنا في المستقبل. وكل مشروع لا ينفذ اليوم يعني وظيفة لم تخلق، وفرصة لم تستثمر، وثروة لم تبن. ولذلك فإن المسؤولية الوطنية تقتضي التفكير بما سيتركه الجيل الحالي للأجيال المقبلة، لا بما يستهلكه في الوقت الحاضر فقط.
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الأولوية للرواتب أم للاستثمار، بل كيف يمكن تحقيق التوازن بينهما بما يحفظ حقوق المواطنين ويضمن في الوقت نفسه بناء اقتصاد قوي ومستدام. فالدول الناجحة هي التي تجعل الاستثمار مصدرا دائما للوظائف والرواتب والنمو، وليس تلك التي تستهلك مواردها في النفقات الجارية وحدها.
ويبقى السؤال مطروحا أمام صناع القرار والطبقة السياسية والجهات الاقتصادية: هل نريد موازنات تستهلك الثروة أم موازنات تبني المستقبل؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل العراق خلال العقود المقبلة، وستجيب في النهاية عن التساؤل الذي يردده العراقيون باستمرار: أين تذهب أموال العراق؟ وكيف يمكن أن تتحول من أرقام في الموازنات إلى تنمية حقيقية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.







