حرية
دخل ملف المنافذ الحدودية في العراق مرحلة جديدة من التشدد الحكومي، مع زيارة رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي إلى هيئة المنافذ الحدودية، وما رافقها من توجيهات مباشرة بإعادة تنظيم العمل الكمركي والمالي والأمني، وتحويل المنافذ إلى منظومة إلكترونية أكثر إحكاماً.
وتحمل الزيارة دلالات تتجاوز الجانب الإداري، إذ تنظر الحكومة إلى المنافذ باعتبارها واحدة من أكثر نقاط التماس حساسية بين الأمن والاقتصاد والسيادة، خصوصاً في ظل ما يرتبط بها من ملفات التهريب والتلاعب بالإيرادات والتحويلات المالية والمنافذ غير الرسمية.
الأتمتة في مواجهة اقتصاد الظل
أبرز ما طرحه الزيدي هو الإسراع في استكمال مشروع أتمتة المنافذ الحدودية وربطها بمنظومة إلكترونية موحدة، مع إعداد موقف يومي عن حركة العمل والإيرادات.
وتبدو هذه الخطوة محاولة للانتقال من الرقابة التقليدية التي تعتمد على الموظف والوثيقة الورقية إلى رقابة رقمية تتيح تتبع الشحنة منذ دخولها إلى الأراضي العراقية وحتى إتمام معاملتها، وهو ما يمكن أن يقلل مساحات التلاعب والتقدير الشخصي.
لكن نجاح الأتمتة لن يتوقف على شراء الأنظمة الإلكترونية، بل على ربطها فعلياً بين الجمارك والضرائب والمصارف والمنافذ والأجهزة الأمنية، بحيث يصبح من الصعب تمرير معاملة عبر تغيير حلقة واحدة من حلقات المنظومة.
المنافذ.. من عبء على الدولة إلى مصدر تمويل
توجيه الزيدي بجعل المنافذ الحدودية ممولة ذاتياً يمثل تحولاً مهماً في طريقة إدارة هذا القطاع.
فالحكومة تريد أن تغطي المنافذ نفقاتها التشغيلية والتطويرية من الرسوم والأجور التي تحصلها، مع استقطاع الرسوم الضريبية والكمركية قبل إجراء التحويلات المالية.
وهذا يعني أن المنفذ الحدودي لا يُنظر إليه باعتباره مجرد نقطة عبور، بل أداة لتحصيل الإيرادات وتمويل البنية التحتية وتعزيز قدرة الدولة على مراقبة حركة التجارة.
وفي ظل اعتماد المالية العامة العراقية بدرجة كبيرة على النفط، فإن رفع كفاءة الإيرادات غير النفطية من المنافذ يمكن أن يشكل جزءاً من مسار أوسع لتنويع موارد الدولة.
الحرب على التهريب.. الجانب الأمني من المعركة
الرسالة الأكثر تشدداً في الزيارة تمثلت في إعلان مكافحة الفساد والتهريب كأولوية حكومية، خصوصاً تهريب المخدرات والأدوية والتلاعب بالوصولات الضريبية والتحايل على الأجهزة الرقابية.
وهنا تتقاطع المنافذ الحدودية مع الملف الأمني بشكل مباشر؛ فكل ثغرة في المنفذ يمكن أن تتحول إلى قناة لتهريب المخدرات أو الأموال أو البضائع غير المطابقة، فضلاً عن خسارة الدولة للرسوم والضرائب المستحقة.
ولهذا فإن معالجة الملف لا تتطلب فقط تشديد التفتيش، وإنما إغلاق الاقتصاد الموازي الذي ينشأ حول المنافذ الرسمية وغير الرسمية.
طريق التنمية يرفع أهمية المنافذ
اللافت أن زيارة الزيدي جاءت بالتزامن مع استعراض هيئة المنافذ الحدودية لتطورات مشروع طريق التنمية، الذي يفترض أن يحول العراق تدريجياً إلى عقدة للنقل والتجارة بين آسيا وأوروبا.
وهذا المشروع يمكن أن يضاعف أهمية المنافذ العراقية، لأن نجاحه لن يرتبط بالطرق والسكك الحديدية وحدها، وإنما بقدرة العراق على توفير منظومة حدودية سريعة وشفافة وقادرة على التعامل مع أحجام أكبر من حركة التجارة.
فإذا بقيت المنافذ تعمل بأساليب بيروقراطية تقليدية، فإنها قد تتحول إلى عنق زجاجة أمام طريق التنمية، بينما يمكن للأتمتة والربط الإلكتروني أن تجعلها إحدى نقاط القوة في المشروع.
المعركة الحقيقية: من يسيطر على المال؟
وراء كل هذه الإجراءات يوجد ملف أكثر حساسية: من يملك السيطرة الفعلية على حركة الأموال والبضائع عند الحدود؟
فالفساد في المنافذ لا يعني فقط رشوة موظف أو تزوير وصل، وإنما يمكن أن يشمل التلاعب بقيم البضائع، وتغيير التصنيفات الكمركية، والتحايل على الإعفاءات، وتسهيل مرور بضائع خارج القنوات الرسمية.
ومن هنا فإن ربط المنافذ بالأنظمة المالية والكمركية والمصرفية سيكون أكثر أهمية من مجرد زيادة عدد نقاط التفتيش.
اختبار حكومي حقيقي
توجيهات الزيدي تضع هيئة المنافذ الحدودية أمام اختبار كبير: هل تستطيع الدولة تحويل المنافذ من مناطق تتعدد فيها مراكز النفوذ والمصالح إلى مؤسسات خاضعة لمنظومة رقابية موحدة؟
النجاح في هذا الملف سيعني زيادة الإيرادات، تقليص التهريب، تحسين بيئة التجارة والاستثمار، ورفع مستوى السيطرة الأمنية على الحدود.
أما الفشل فسيعني استمرار خسارة الدولة لموارد مالية مهمة، وبقاء المنافذ واحدة من أكثر الحلقات هشاشة في الاقتصاد العراقي.
وبذلك، فإن معركة المنافذ الحدودية ليست معركة جمارك فقط، بل معركة على المال العام والسيادة الاقتصادية والأمن الوطني. وإذا أرادت حكومة الزيدي تحويل الإصلاح الإداري إلى نتائج ملموسة، فإن المنافذ ستكون واحدة من أكثر ساحات الاختبار وضوحاً خلال المرحلة المقبلة.







