حرية
أقرّ رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، خلال زيارة أجراها إلى وزارة المالية، بأن العراق يواجه مرحلة اقتصادية ومالية شديدة الحساسية، في ظل تداعيات المتغيرات الإقليمية والدولية التي انعكست بشكل مباشر على الإيرادات النفطية وقدرة البلاد التصديرية، ما دفع الحكومة إلى التحذير من استمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط كمصدر رئيسي للموازنة العامة.
الزيدي، الذي ترأس اجتماعاً للكادر المتقدم في وزارة المالية، شدد على ضرورة إعادة صياغة السياسة المالية للدولة ضمن رؤية طويلة الأمد ترتبط بخطة “العراق 2035”، معتبراً أن الموازنة يجب أن تتحول من أداة إنفاق تقليدية إلى “خارطة مستقبل” قادرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية والتحولات العالمية.
وتأتي تصريحات رئيس الوزراء في توقيت حساس يشهد فيه الاقتصاد العراقي ضغوطاً متزايدة نتيجة اضطراب أسواق الطاقة العالمية وتراجع الاستقرار الإقليمي، الأمر الذي أعاد النقاش حول هشاشة الاقتصاد العراقي المعتمد بنسبة تقارب 90% على العائدات النفطية.
ودعا الزيدي إلى توسيع الاقتصاد غير النفطي وتنويع مصادر الإيرادات، مشيراً إلى أن استمرار الدولة بالاعتماد على النفط فقط لم يعد خياراً قابلاً للاستدامة، خصوصاً مع التقلبات الحادة في الأسواق العالمية. كما أكد أهمية استثمار الموقع الجغرافي للعراق لتعزيز الإيرادات وتنشيط القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وفي مؤشر على توجه حكومي لإعادة هيكلة الدور الاقتصادي للدولة، قال الزيدي إن “الدولة لا يجب أن تدير الاقتصاد، بل ينبغي أن يكون الاقتصاد هو من يقود الدولة”، داعياً إلى تعزيز دور القطاع الخاص ومنحه مساحة أكبر لقيادة عملية التنمية، مقابل تركيز دور الحكومة على التنظيم والرقابة.
وفي ما يتعلق بالإنفاق العام، أشار رئيس الوزراء إلى أن جزءاً كبيراً من النفقات الحالية يذهب نحو أبواب تشغيلية “حاكمة” لا تحقق أثراً تنموياً حقيقياً، ما يتطلب مراجعة شاملة للمفاهيم المالية التقليدية، والابتعاد عن السياسات القديمة التي لم تعد قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية الحديثة.
كما وجّه الزيدي بفتح مراجعة دقيقة لملفات الكمارك والإيرادات خلال الأشهر الستة الماضية، على خلفية شبهات تتعلق بالتلاعب الجمركي واستبدال بعض البضائع الخاضعة لرسوم مرتفعة بمواد أقل قيمة للتهرب من الرسوم، مؤكداً أن الأتمتة تمثل الحل الأهم لإنهاء هذه الممارسات.
وفي محاولة لطمأنة الشارع، شدد رئيس الوزراء على أن الحكومة ملتزمة بإطلاق رواتب الموظفين وشبكة الحماية الاجتماعية في مواعيدها، إلى جانب تسريع صرف مستحقات الفلاحين والمقاولين والمستثمرين، محذراً في الوقت نفسه من التهويل الإعلامي بشأن الأزمة المالية، لكنه دعا إلى “مصارحة المواطنين” بحجم التحديات الاقتصادية القائمة.
ويرى مراقبون أن خطاب الزيدي يعكس بداية تحول تدريجي في المقاربة الاقتصادية للحكومة العراقية، يقوم على تقليل مركزية النفط، وفتح الباب أمام إصلاحات مالية وهيكلية أوسع، وسط مخاوف من أن تؤدي الأزمات الإقليمية المستمرة إلى مزيد من الضغوط على الاقتصاد العراقي خلال المرحلة المقبلة.







