حرية
دخلت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر تعقيداً، مع استمرار الضربات الأميركية على أهداف عسكرية إيرانية، بالتزامن مع ردود إيرانية استهدفت قواعد ومواقع عسكرية في عدد من دول الخليج، وسط تصاعد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة قد تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأربعاء، تنفيذ جولة جديدة من الضربات الجوية والبحرية ضد عشرات المواقع العسكرية الإيرانية في محيط مضيق هرمز والسواحل الجنوبية، باستخدام طائرات مقاتلة ومسيّرات وسفن حربية، في عملية استمرت نحو سبع ساعات.
وأوضحت القيادة الأميركية أن الهجمات استهدفت منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومنظومات الدفاع الساحلي، والقدرات البحرية الإيرانية، بهدف تقليص قدرة طهران على تهديد الملاحة التجارية في مضيق هرمز.
وأكدت واشنطن أن أكثر من 50 ألف جندي أميركي، إلى جانب عشرات السفن الحربية ومئات الطائرات العسكرية، ينتشرون حالياً في الشرق الأوسط، في أكبر حالة انتشار عسكري تشهدها المنطقة منذ سنوات.
في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف قاعدة الشيخ عيسى في البحرين وقاعدة علي السالم في الكويت، مؤكداً أن إيران ستواصل الرد طالما استمرت العمليات الأميركية.
كما شهدت جزيرة قشم، وجزيرة كيش، وميناء بندر عباس، وعدد من المناطق الساحلية الإيرانية انفجارات متتالية، فيما تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن أضرار طالت محطات كهربائية وزوارق بحرية نتيجة الضربات الأميركية.
وللمرة الأولى، استخدمت الولايات المتحدة مسيّرات بحرية انتحارية لاستهداف منشآت في ميناء بندر عباس، الذي يعد أحد أهم المراكز العسكرية واللوجستية الإيرانية المطلة على مضيق هرمز.
ويأتي التصعيد بالتزامن مع إعادة الولايات المتحدة فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، وتشديد الرقابة على حركة السفن في الخليج، في خطوة تهدف إلى زيادة الضغط العسكري والاقتصادي على طهران.
في المقابل، جددت إيران رفضها لأي قيود على سيادتها في مضيق هرمز، مؤكدة أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية انهيار التفاهمات السابقة، فيما شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن بلاده ستواصل حماية المضيق ولن تتراجع أمام الضغوط العسكرية.
وفي الوقت نفسه، أبقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب باب التفاوض مفتوحاً، لكنه لوّح بتوسيع الضربات لتشمل منشآت نووية شديدة التحصين، مؤكداً أن العمليات العسكرية قد تستمر حتى تستجيب إيران للشروط الأميركية المتعلقة بالبرنامج النووي وأمن الملاحة الدولية.
ويثير استمرار المواجهة قلقاً دولياً متزايداً، نظراً إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، الأمر الذي ينذر باضطرابات واسعة في أسواق الطاقة والتجارة الدولية إذا استمر التصعيد.
تمثل التطورات الأخيرة تحولاً في طبيعة المواجهة الأميركية الإيرانية، إذ انتقلت من سياسة الردع المحدود إلى استراتيجية الضغط المركب التي تجمع بين العمليات العسكرية المباشرة، والحصار البحري، والضغوط الاقتصادية في وقت واحد.
الولايات المتحدة تبدو حريصة على تقويض القدرات العسكرية الإيرانية دون الانخراط في حرب برية شاملة، مع التركيز على استهداف البنية العسكرية والبحرية التي تمنح طهران القدرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز.
في المقابل، تحاول إيران توسيع دائرة الاشتباك جغرافياً عبر استهداف قواعد أميركية في دول الخليج، بهدف رفع كلفة العمليات الأميركية وإيصال رسالة مفادها أن أي مواجهة لن تبقى داخل الأراضي الإيرانية.
ويشير استهداف ميناء بندر عباس واستخدام المسيّرات البحرية للمرة الأولى إلى دخول الحرب مرحلة جديدة تعتمد على استهداف المراكز اللوجستية وشبكات الإمداد البحري، وهو تطور قد ينعكس مباشرة على أمن الطاقة العالمي.
اقتصادياً، يشكل مضيق هرمز نقطة الاختبار الأهم، إذ إن أي تعطيل طويل الأمد لحركة الملاحة سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، الأمر الذي قد يدفع معدلات التضخم العالمية إلى الارتفاع مجدداً، ويؤثر في سياسات البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
كما أن الجمع بين الحصار البحري والضربات العسكرية يعكس محاولة أميركية لإضعاف الاقتصاد الإيراني بصورة تدريجية، مع إبقاء نافذة التفاوض مفتوحة، بما يمنح واشنطن هامشاً للمناورة السياسية إذا أبدت طهران استعداداً لتقديم تنازلات.
في المقابل، تراهن إيران على الصمود واستنزاف الولايات المتحدة عبر توسيع مسرح العمليات، مع المحافظة على قدرتها على التأثير في حركة التجارة الدولية كورقة ضغط تفاوضية.
إذا استمرت الضربات الأميركية بالمستوى الحالي، فمن المرجح أن تتجه المنطقة إلى مرحلة من الاستنزاف العسكري المتبادل، دون الوصول إلى حرب شاملة في المدى القريب، إلا إذا تعرضت منشآت نووية إيرانية أو قواعد أميركية لضربات تؤدي إلى خسائر كبيرة.
وفي المقابل، فإن أي إغلاق فعلي أو اضطراب واسع في مضيق هرمز سيحول الأزمة من نزاع إقليمي إلى أزمة اقتصادية عالمية، مع ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، وتراجع حركة التجارة الدولية، وزيادة الضغوط على الاقتصادات المستوردة للنفط، وفي مقدمتها العراق ودول الشرق الأوسط.







