حرية
تكشف بيانات وزارة الخزانة الأميركية عن استمرار الثقة العالمية الهائلة بالاقتصاد الأميركي، رغم التوترات الجيوسياسية والاضطرابات المالية التي يشهدها العالم، إذ ارتفعت حيازات الدول الأجنبية من سندات الخزانة الأميركية إلى أكثر من 9.3 تريليونات دولار بنهاية مارس 2026، في مؤشر واضح على أن الولايات المتحدة ما تزال تمثل الملاذ المالي الأول للحكومات والبنوك المركزية حول العالم.
وتواصل اليابان تصدر قائمة أكبر المستثمرين في الدين الأميركي بحيازات تجاوزت 1.19 تريليون دولار، تليها المملكة المتحدة ثم الصين، ما يعكس حجم الترابط المالي العميق بين القوى الاقتصادية الكبرى والاقتصاد الأميركي، حتى في ظل التنافس السياسي والتجاري الحاد بين واشنطن وبكين.
ويحمل استمرار الصين في الاحتفاظ بمئات المليارات من السندات الأميركية مفارقة لافتة، إذ رغم الصراع الاقتصادي والتكنولوجي المتصاعد بين البلدين، لا تزال بكين تعتمد على أدوات الدين الأميركية كجزء أساسي من احتياطياتها المالية وإدارة استقرار عملتها.
كما تعكس هذه الأرقام حقيقة مهمة في النظام المالي العالمي، وهي أن الدولار الأميركي ما يزال العملة الأكثر أماناً وسيولة على مستوى العالم، ما يدفع الدول إلى الاحتفاظ بالسندات الأميركية كخيار رئيسي لحماية احتياطياتها النقدية وإدارة فوائضها المالية.
وتوضح البيانات أيضاً أن الحكومات والبنوك المركزية الأجنبية تحتفظ وحدها بما يقارب 3.9 تريليونات دولار من السندات الأميركية، ما يعني أن جزءاً كبيراً من قوة الاقتصاد الأميركي قائم على استمرار ثقة العالم بقدرة واشنطن على سداد ديونها والحفاظ على استقرار الدولار.
وفي المقابل، يثير هذا الحجم الضخم من الديون تساؤلات متزايدة بشأن اعتماد الولايات المتحدة على التمويل الخارجي، خصوصاً مع تصاعد العجز الأميركي وارتفاع كلفة الفوائد نتيجة السياسات النقدية وأسعار الفائدة المرتفعة.
أما بالنسبة للعراق، فلم يظهر ضمن قائمة كبار حاملي السندات الأميركية، ما يشير إلى أن استثماراته في أدوات الدين الأميركية تبقى محدودة مقارنة بالدول الكبرى أو الدول النفطية ذات الفوائض المالية الضخمة.
لكن الأهم في هذه البيانات هو أنها تؤكد أن العالم، رغم الحديث المتكرر عن تراجع الهيمنة الأميركية أو صعود بدائل مالية جديدة، ما يزال يعتمد بصورة كبيرة على النظام المالي الأميركي والدولار كمرتكز أساسي للاستقرار النقدي والاحتياطيات الدولية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار تدفق الأموال العالمية إلى السندات الأميركية يمنح واشنطن قدرة استثنائية على تمويل عجزها وإنفاقها الضخم، وهو امتياز لا تمتلكه أي قوة اقتصادية أخرى بنفس المستوى، بسبب الثقة العالمية العميقة بالدولار والأسواق الأميركية.
ومع استمرار الاضطرابات العالمية والحروب والتوترات التجارية، تبدو سندات الخزانة الأميركية حتى الآن الخيار الأكثر أماناً للمستثمرين والدول، ما يعزز موقع الولايات المتحدة في قلب النظام المالي العالمي رغم كل التحديات الاقتصادية والسياسية.







