كفاح محمود
منذ سقوط بغداد عام 2003، بدا العراقُ وكأنَّه انتقل من احتلال مباشر إلى وصايات متعددة، ومن مشروع «إعادة بناء الدولة» الذي حمله الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، إلى مشروع «إدارة النفوذ» الذي مثّله لاحقاً قاسم سليماني ثم إسماعيل قاآني، وبين الرجلين، ضاعت هوية العراق في مرجوحة المصالح الإقليمية والدولية، حتى بات السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ما زال العراق دولة ذات قرار مستقل، أم ساحة مفتوحة لصراع الآخرين؟
حين دخلت القوات الأميركية بغداد، رُفع شعار بناء نموذج ديمقراطي اتحادي جديد، لكن القرارات الأولى، وفي مقدمتها حل الجيش واجتثاث مؤسسات الدولة، فتحت أبواب الفوضى، وأطلقت ديناميات طائفية ومسلحة ما زال العراق يدفع ثمنها، لقد أُسقط النظام السابق، لكن الدولة نفسها دخلت في تفكك تدريجي سمح بصعود قوى ما دون الدولة، وولادة جماعات مسلحة ارتبطت بمشاريع تتجاوز الحدود.
في تلك الفجوة تمددت إيران بمهارة، لم تدخل بالدبابات، بل عبر الأحزاب والعقائد والسلاح والاقتصاد، وعبر بناء شبكة معقدة من الفصائل التي تحولت مع الوقت إلى قوة موازية للدولة، بل أحياناً أعلى منها تأثيراً، وهكذا انتقل العراق عملياً من إدارة الاحتلال الأميركي إلى إدارة النفوذ الإيراني، ومن بريمر إلى سليماني ثم قاآني، مع فارق أن الأول كان ظاهراً في موقع الحاكم، أما الآخران فقد تحركا غالباً من خلف الستار، داخل الأحزاب والكتل والوزارات والمعابر والقرار الأمني، فلم يعد النفوذ الإيراني مجرد علاقة جوار أو تحالف سياسي، بل صار في لحظات كثيرة عاملاً حاسماً في تشكيل الحكومات، واختيار رئيس الوزراء، وترتيب حقائب سيادية وخدمية واقتصادية، بحيث تمر أسماء كثيرة عبر «ممرات قبول» داخلية وخارجية قبل إعلانها دستورياً، هنا تتراجع فكرة التفويض الشعبي، ويتحول صندوق الاقتراع إلى محطة أولى فقط، فيما تُدار التسويات الحقيقية في غرف مغلقة، بين ضغط السلاح، وحسابات واشنطن، ورسائل طهران، ولذلك تتكرر ولادة حكومات توافقية مشلولة، تخشى الفصائل أكثر مما تخشى البرلمان، وتوازن بين الخارج أكثر مما تستجيب لمطالب الداخل.
الأخطر أن هذا النفوذ لم يقف عند السياسة، بل تمدد إلى مفاصل المال والطاقة والمصارف وحركة الدولار والمنافذ الحدودية، والفضيحة الأخيرة التي أعلنتها الخزانة الأميركية، بفرض عقوبات على مسؤول عراقي رفيع في وزارة النفط، بتهمة تسهيل خلط النفط الإيراني بالعراقي وتزوير وثائق وفتح مسارات تهريب لمصلحة إيران وفصائل مرتبطة بها، حتى مع نفي وزارة النفط العراقية، تكشف حجم هشاشة السيادة حين تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات محتملة للالتفاف على العقوبات، إنها ليست قضية فساد عابرة، بل مؤشر على اقتصاد ظلّ يموّل النفوذ ويستنزف الدولة معاً.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن فصل العراق عن الحرب الأخيرة في المنطقة، فجزء مهم من أسباب التصعيد ارتبط بمحاولة إيران تحويل العراق إلى عمق متقدم لمشروعها، وممر اقتصادي وأمني يخفف عنها الحصار، ومنصة رسائل ضد الولايات المتحدة ودول الخليج. فقد تحولت بعض الفصائل إلى أدوات ضغط عابرة للحدود، تستهدف المصالح الأميركية، وتهدد أمن الخليج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وتضع بغداد في مواجهة أزمات لم يخترها العراقيون، ولا تخدم أولوياتهم في الاستقرار والعيش والتنمية، وحين تنطلق الرسائل العسكرية من أراضٍ عراقية، أو تُنسب إلى جماعات عراقية، فإن الدولة كلها تُدفع إلى خانة الاتهام، حتى لو كان قرارها الرسمي يعلن النأي بالنفس ورفض التصعيد.
وفي الوقت ذاته، يدفع إقليم كردستان ثمناً خاصاً لهذا الصراع، فالقصف المتكرر بالطائرات المسيّرة والصواريخ، سواء من «الحرس الثوري» أو من جماعات مرتبطة بفيلق القدس داخل العراق، لم يكن مجرد رسائل أمنية ضد خصوم طهران، بل محاولة لإخضاع مساحة عراقية ظلت أكثر تمسكاً بالفيدرالية والانفتاح والتوازن في علاقاتها، وهنا يتداخل الأمني بالسياسي: فكل استهداف للإقليم هو أيضاً استهداف لفكرة العراق الاتحادي، ولأي نموذج لا يريد الذوبان في مركزية السلاح والوصاية.
وسط هذا المشهد، تبدو الديمقراطية العراقية كأنها تعمل بنصف رئة، فلا ديمقراطية حقيقية مع تعدد مراكز القوة المسلحة، ولا فيدرالية مستقرة حين يُنظر إلى كردستان بوصفه مشكلة ينبغي تطويقها لا شريكاً دستورياً ينبغي احترامه، لذلك لم تكن أزمات الرواتب والنفط والموازنة والصلاحيات بعيدة عن الصراع الخفي على هوية العراق: هل يكون دولة مواطنة وشراكة، أم ساحة نفوذ تُدار بمنطق الغلبة؟
اليوم، وبعد أكثر من عقدين على سقوط بغداد، يبدو العراق معلقاً بين مشروع دولة ومشاريع وصاية، بين دستور ينص على الشراكة وواقع تفرضه توازنات السلاح، وهوية وطنية جامعة وهويات فرعية تتغذى على الانقسام، ولهذا ربما لم تكن المشكلة في انتقال العراق من بريمر إلى قاآني فقط، بل في عجز نخبته السياسية عن بناء دولة تمنع أصلاً ظهور أي بريمر جديد أو قاآني آخر.







