يشهد العراق خلال عام 2026 تضخماً واضحاً في عدد أيام العطل الرسمية وغير الرسمية، إلى حدّ يجعل مجموعها الفعلي يقترب من نصف أيام السنة أو يتجاوزه في بعض التقديرات .
هذه الظاهرة، رغم ارتباطها بالهوية الدينية والاجتماعية وتعدد المناسبات الوطنية، لم تعد مجرد انعكاس ثقافي، بل تحوّلت إلى عامل مؤثر في كفاءة الاقتصاد وأداء مؤسسات الدولة.
من الناحية المالية، لا يبدو أن العطل تُشكّل تهديداً مباشراً على قدرة الدولة في المدى القصير، نظراً لاعتماد العراق على الريع النفطي الذي يوفّر تدفقات نقدية مستقرة نسبياً غير أن هذا الاستقرار يخفي هشاشة أعمق، تتمثل في ضعف الإنتاجية وتباطؤ نمو القطاعات غير النفطية. فالعطل لا تضرب الإيرادات النفطية بشكل مباشر، لكنها تُضعف ما يُعرف بـ”ما دون الريع”، أي الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالخدمات والصناعة والتجارة.
وتتجلى الكلفة الاقتصادية للعطل في عدة مستويات.
أولها، انخفاض عدد أيام العمل الفعلية داخل جهاز حكومي متضخم، ما يعني دفع رواتب وأجور مقابل إنتاجية محدودة.
وثانيها، تعطيل مصالح المواطنين وتأخير إنجاز المعاملات، الأمر الذي يرفع الكلفة الزمنية والمالية على الأفراد والشركات.
وثالثها، تراجع كفاءة القطاع الخاص، الذي يعتمد بشكل مباشر على انتظام عمل المؤسسات الحكومية، خصوصاً في ما يتعلق بالإجازات الرسمية، والإجراءات الجمركية، والتحويلات المالية، والعقود.
كما تمتد آثار العطل إلى النظام التعليمي، حيث يؤدي تكرار الإجازات إلى إرباك الجدول الدراسي وعدم استكمال المناهج، ما ينعكس سلباً على جودة المخرجات التعليمية. ويُضاف إلى ذلك ضعف إدارة الموارد البشرية داخل المؤسسات، حيث يتزامن ارتفاع عدد الموظفين مع انخفاض فعلي في ساعات العمل المنتجة، ما يعمّق فجوة الكفاءة.
وفي السياق ذاته، تشير تحليلات اقتصادية إلى أن المشكلة لا تكمن في وجود العطل بحد ذاتها، بل في تجاوزها “الحد المحايد” وتحولها إلى عامل تراكمي يُفاقم اختلالات هيكلية قائمة، مثل تضخم القطاع العام، وضعف الحوكمة، وبطء الإجراءات الإدارية.
فكل يوم تعطيل إضافي لا يعني فقط توقف العمل، بل يعني أيضاً تأجيل قرارات، وتعطيل سلاسل إنجاز، وإضعاف ثقة المستثمرين ببيئة الأعمال.
وعليه، يمكن القول إن العطل في العراق أصبحت تمثل كلفة صامتة لا تظهر فوراً في المؤشرات المالية، لكنها تتراكم تدريجياً في بنية الاقتصاد، وتُضعف قدرته على التحول نحو نموذج إنتاجي أكثر تنوعاً. ومن هنا، فإن التحدي لا يكمن في إلغاء العطل، بل في إعادة تنظيمها ضمن رؤية اقتصادية توازن بين الخصوصية الاجتماعية ومتطلبات النمو، بما يضمن رفع كفاءة العمل وتعزيز دينامية الاقتصاد غير النفطي.
ذكر الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمن المشهداني الى وكالة حرية في تصريح خاص ان..


وفي في تصريح خاص لوكالة حرية، أكدت الباحثة والخبيرة في الشأن الاقتصادي الدكتورة سلام سميسم أن الاقتصاد العراقي لا يزال قادراً من الناحية المالية على تحمّل كلفة العطل الرسمية وغير الرسمية بحكم طبيعته الريعية، إلا أنه لم يعد يتحمّلها بالسهولة نفسها على مستوى الإنتاج والنمو.
وأوضحت سميسم أن المشكلة لا تكمن في قدرة الدولة على دفع الرواتب أو تغطية النفقات، بل في تراكم العطل الذي بات يشكل عبئاً واضحاً على اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف الإنتاجية، وبطء نمو القطاع غير النفطي، واتساع حجم القطاع العام، مقابل هشاشة القطاع الخاص.
وبيّنت أن الإطار القانوني، المتمثل بقانون العطلات الرسمية رقم 12 لسنة 2024، أسهم في رفع عدد أيام التعطيل، من خلال اعتماد يومي الجمعة والسبت عطلة أسبوعية، إلى جانب إضافة مناسبات دينية ووطنية متعددة، ومنح صلاحيات إضافية للحكومة والمحافظات لإقرار عطل مؤقتة، ما أدى إلى تضخم فعلي في عدد أيام التوقف عن العمل داخل الجهاز الحكومي.
وفي المقابل، أشارت إلى أن الاقتصاد العراقي لا يتأثر مالياً بالعطل بالشكل المباشر، نظراً لاعتماده على القطاع النفطي الذي يحقق معظم الإيرادات دون أن يشغّل سوى نسبة محدودة من القوى العاملة، ما يجعل أثر العطل يظهر بشكل أكبر في القطاعات غير النفطية.
وأكدت سميسم أن جوهر المشكلة يتمثل في ضعف قدرة الاقتصاد غير النفطي على التحول إلى محرك نمو مستدام، مبينة أن كل يوم تعطيل إضافي ينعكس على شكل تباطؤ في إنجاز المعاملات، وتعثر في الخدمات، وانخفاض في كفاءة استخدام الموارد، بدلاً من أن يؤثر مباشرة على إنتاج النفط.
وأضافت أن العطل تضرب ما وصفته بـ”ما دون الريع”، أي القطاعات الحيوية كالصناعة والزراعة والخدمات والنقل، وهي الأكثر حساسية لتعطل الدوائر وتأجيل الإجراءات، الأمر الذي يعيق نموها ويحد من قدرتها على خلق فرص عمل حقيقية.
كما حذرت من أن اتساع التوظيف الحكومي، بالتزامن مع كثرة العطل، يعمّق اختلالات سوق العمل، ويزيد من الضغط على المالية العامة، ويضعف الحوافز نحو العمل في القطاع الخاص، ما يؤدي إلى جهاز حكومي كبير بإنتاجية منخفضة.
وختمت تصريحها بالتأكيد على أن العطل في العراق تجاوزت “الحد المحايد”، وأصبحت عاملاً تراكميًا يعيق النمو والإنتاجية، مشددة على أنها لم تعد مجرد كلفة اجتماعية عابرة، بل باتت جزءاً من مشكلة هيكلية أعمق تتعلق بطبيعة الاقتصاد الريعي، وضعف الحوكمة، وتراجع كفاءة الإدارة الاقتصادية.
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن ملف العطل في العراق لم يعد مسألة تنظيم إداري أو استجابة لمناسبات اجتماعية فحسب، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على إدارة وقتها الاقتصادي بكفاءة. فبين اقتصاد ريعي قادر على تحمّل الكلفة المالية، واقتصاد غير نفطي عاجز عن تعويض كلفة التعطيل، تتسع الفجوة بين الإيراد والإنتاج.
وعليه، فإن الحاجة لم تعد تقتصر على تقليص عدد العطل، بل تتجه نحو إعادة تنظيمها ضمن رؤية اقتصادية واضحة، توازن بين احترام الخصوصية الدينية والاجتماعية، ومتطلبات النمو والتنمية. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من إدارة الزمن، لأن أي اقتصاد لا يحسن استثمار أيام عمله، لن يستطيع بناء مسار تنموي مستدام.







