حرية
تعيش إيران حالة من القلق الاقتصادي المتصاعد في ظل الهدنة الهشة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث باتت الأسواق الإيرانية تواجه موجة غلاء جديدة طالت المواد الغذائية والأدوية والعقارات والسيارات، وسط مخاوف من تحوّل الأزمة المعيشية إلى اضطرابات اجتماعية أوسع تهدد الاستقرار الداخلي.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن استمرار التوتر الإقليمي وحالة الترقب المرتبطة بالحرب يفاقمان الضغوط على الشارع الإيراني، خصوصاً مع وجود نحو 60 مليون إيراني ضمن الفئات الأكثر هشاشة أمام التضخم وارتفاع الأسعار، من أصل نحو 90 مليون نسمة.
قلق الحرب يربك الأسواق
خلال الأسابيع الأخيرة، لم تعد أزمة الأسعار مرتبطة بالعوامل الاقتصادية التقليدية فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالخوف من عودة المواجهة العسكرية وإمكانية توسع الحصار البحري والعقوبات، ما خلق حالة من الارتباك في الأسواق الإيرانية.
ويواجه الموظفون والعمال والمتقاعدون صعوبة متزايدة في تأمين احتياجاتهم الأساسية، فيما أدى فقدان آلاف الوظائف في القطاع الخاص إلى تعميق المخاوف من دخول الاقتصاد الإيراني مرحلة أكثر حساسية.
وفي وقت أعلنت فيه الحكومة الإيرانية والسلطة القضائية تشديد الإجراءات ضد الاحتكار والتلاعب بالأسعار، يرى مواطنون أن التدخلات الرسمية غالباً ما تكون مؤقتة وغير قادرة على ضبط السوق لفترات طويلة.
أسعار تتغير كل أيام
وباتت السلع الأساسية مثل الزيت والدجاج ومنتجات الألبان والبيض تشهد تغيرات مستمرة في الأسعار، ما أربك الأسر الإيرانية وأفقدها القدرة على تنظيم الإنفاق اليومي.
وكانت الحكومة قد ألغت قبل الحرب سياسة العملة المدعومة لبعض السلع، واستبدلتها بمنح نقدية، إلا أن كثيرين يرون أن تلك المساعدات لم تعد كافية لمواجهة الغلاء المتسارع.
وفي متاجر طهران، يشكو المواطنون من غياب الاستقرار السعري أكثر من ارتفاع الأسعار نفسه، إذ تتبدل الأسعار خلال أيام قليلة، ما يعكس حالة عدم اليقين المسيطرة على السوق.
ويرى خبراء اقتصاديون أن جزءاً كبيراً من الأزمة الحالية يرتبط بالحالة النفسية والخوف من الحرب، إذ يلجأ بعض التجار والوسطاء إلى رفع الأسعار استباقياً مع كل تصعيد سياسي أو حديث عن إغلاق محتمل للممرات البحرية.
بزشكيان: الحرب ليست مبرراً للفوضى
من جانبه، شدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أن ظروف الحرب لا يجب أن تتحول إلى ذريعة لرفع الأسعار أو الإضرار باستقرار السوق، داعياً إلى تشديد الرقابة على سلاسل التوريد والتوزيع.
ويؤكد خبراء أن تهدئة الأسواق تتطلب ضمان استمرار تدفق السلع الأساسية، وتشديد الرقابة على شبكات التوزيع، ومواجهة الاحتكار بسرعة، إضافة إلى احتواء القلق الشعبي عبر خطاب رسمي أكثر طمأنة.
السيارات والعقارات تدخلان دائرة الأزمة
وامتدت تداعيات الحرب إلى سوق السيارات، حيث أدى استهداف مصانع الصلب وتراجع توافر صفائح الفولاذ إلى انخفاض الإنتاج المحلي بنحو الثلث مقارنة بفترة ما قبل الحرب، بينما ارتفعت الأسعار بنحو 70 بالمئة.
كما تعاني أسواق العقارات والسيارات من ركود حاد في البيع والشراء، رغم الارتفاعات الكبيرة في الأسعار، في ظل ضعف القدرة الشرائية وتراجع الثقة الاقتصادية.
ويشير مختصون إلى أن العقوبات والقيود المفروضة على الاستيراد، إضافة إلى احتمال تعطل الملاحة البحرية، زادت من صعوبة توفير قطع الغيار والمواد الصناعية، ما عمّق أزمة الإنتاج داخل إيران.
وتبدو الحرب بالنسبة لكثير من الإيرانيين أزمة معيشية يومية تُقاس بأسعار الغذاء والسكن والدواء أكثر مما تُقاس بالتطورات العسكرية، فيما تتصاعد المخاوف من أن تتحول الضغوط الاقتصادية إلى أحد أخطر التحديات الداخلية التي تواجهها طهران خلال المرحلة المقبلة.






