حسن فحص
ما كشفته الجولة الأولى من المفاوضات أن كل الرهانات الأميركية التي بنيت على حصول تغيير في القيادة الإيرانية، لم تكن بالمستوى الذي توقعته، أو حتى بالحجم الذي يجعل القيادة الجديدة تبحث من طريق للخروج من هذه الحرب والتجاوب الكبير مع المطالب والشروط الأميركية بما يمهد الطريق لإعلان نصر حسام.
لا شك أن الضربات الأميركية والإسرائيلية وعمليات الاغتيال التي حصلت لقيادات أمنية وعسكرية من الصف الأول، كانت مؤلمة وقاسية، إلا أنها لم تحدث خللاً أو تغييراً على مستوى صناعة القرار السياسي الذي من المفترض أن يقود العملية التفاوضية، باستثناء اغتيال أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، ومن بعده سكرتير المجلس الاستراتيجي، وكمال خرازي وزير الخارجية السابق في عهد الرئيس السابق محمد خاتمي. باعتبار أن اغتيالهما أخرج الصوت الأكثر قدرة على تدوير الزوايا من موقعه الراديكالي، وتمرير أية صفقة مهما كانت شروطها وتنازلاتها داخل دائرة القرار الاستراتيجي للنظام. وقد أثبتت التجارب السابقة، أنهما لعبا من موقعهما دوراً مفصلياً في ترويج خطاب إيراني مختلف أكثر براغماتية.
وعلى رغم أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بدأت بتوجيه الضربة الأكثر تأثيراً في النظام باغتيال المرشد علي خامنئي، فإنها فشلت في تفكيك الأبعاد الثلاث الأخرى التي تقود مؤسسات الدولة وتشكل العمق الأكثر تأثيراً في إدارة النظام، مما يعني أن اغتيال المرشد لم يؤد سوى إلى استبدال نجله الأوسط مجتبى به، في حين بقيت أركان القرار الدستوري في يد الأشخاص الذين اختارهم ودعم وصولهم المرشد السابق، مسعود بزشكيان في رئاسة الجمهورية، ومحمد باقر قاليباف في رئاسة البرلمان، ومحسني إيجئي في السلطة القضائية.
وبغض النظر عن التاريخ الثوري والنضالي للرئيس بزشكيان، إلا أن ذلك لا يجعل منه جزءاً من دائرة القرار داخل النواة الصلبة للنظام، بالتالي فإن استبعاده أو عدم إسناد دور أساس له في المسار التفاوضي، يبدو غير مستغرب أو بعيد من أداء هذه النواة في إدارة أمور النظام. من هنا يبدو طبيعياً اللجوء إلى إسناد مهمة التفاوض، التي استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد، إلى رئيس البرلمان قاليباف باعتباره واحداً من حلقة القرار وحائزاً ثقة مركبة من المرشد السابق والمرشد الجديد، الذي أسهم في تثبيت قاليباف في موقعه على رأس السلطة التشريعية أمام كل الحملات التي قادها التيار المتشدد لاستبعاده.
تركيبة الوفد الإيراني المشارك في مفاوضات إسلام آباد كشفت بوضوح عن أن دائرة القرار في النواة الصلبة للنظام لم تتعرض لأي خلل أو اهتزاز، وأن آلية اتخاذ القرار الاستراتيجي ما زالت تتمتع بالانسجام السابق مع المرشد الجديد، كما كانت الحال مع المرشد السابق، مع فارق جوهري أن المؤسسة العسكرية في حرس الثورة باتت الأكثر تأثيراً وقدرة على رسم المسارات السياسية والقرار الاستراتيجي مع المرشد الجديد، بعدما كانت شريكاً يلتزم بتوجيهات وسياسات المرشد السابق. وهذا ما يجعل الرهان الأميركي على تنازلات قد يقدمها قاليباف في المفاوضات أمراً مستبعداً وصعباً.
قاليباف الذي ينتمي إلى الرعيل الأول من قيادات حرس الثورة الذين جرت تصفيتهم في حرب 2024 وفي هذه الحرب الجديدة، يعد من الصف الثاني في هذا الرعيل. والفارق بينه وبين الصف الأول من هذا الرعيل أن منسوب الراديكالية في مواقفه ما زال عالياً، على عكس من جرى اغتيالهم باعتبارهم أكثر ميلاً للتسويات الكبيرة التي تضمن الأهداف الاستراتيجية للنظام.
فقاليباف يمثل التيار الأكثر تشدداً، في الأقل على المستوى إدارة الشؤون الداخلية للنظام ومن خلال تجربته في المواقع القيادية التي شغلها خلال العقود الماضية. ولعل وجوده في دائرة الاشتباه بلعب دور من خلال مقربين منه، في التحريض على استهداف السفارة السعودية في طهران خلال يناير (كانون الثاني) عام 2016، يعبر عن أبعاد هذا التشدد والراديكالية.
لذلك، فإن أية محاولة منه للخروج على السياسات التي رسمتها دائرة القرار في النظام، وهي احتمالية قد تكون صعبة، ستصطدم بموقف حازم من الفريق الذي يقود عملية التفاوض. وهو الفريق القادر على إزاحته في أية لحظة يشعر فيها بوجود أي موقف تنازلي من خارج التفاهمات الداخلية والحدود المرسومة أمام الضغوط الأميركية، وبخاصة أن مرجعية القرار النهائي ما زالت في يد أشخاص يديرون اللعبة من الخلف، كالمرشد الجديد، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر الذي كان غيابه عن مفاوضات إسلام آباد واضحاً ولافتاً، ويمكن فهمه بأنه محاولة من النواة الصلبة للنظام لحفظ خط الرجعة وتعطيل أي مسار تنازلي (إن حصل) في المفاوضات.
يمكن القول إن مفاوضات إسلام آباد التي جرت بين النظام الإيراني والإدارة الأميركية في إسلام آباد لم تصل إلى حائط مسدود صلب. فالطرفان توصلا إلى تفاهمات إيجابية في عدد من النقاط، إلا أن العقدة الأساس بقيت في ملفين أساسيين ومفصليين هما أنشطة تخصيب اليورانيوم والدور الإقليمي لإيران، فيما يمكن اعتبار ملف مضيق هرمز وإدارته ومستقبله جزءاً من هذين الملفين وملحقاً بهما، وأي تقدم على مسارهما سينعكس طبيعياً على وضع هذا المضيق.
النشاط الدبلوماسي الذي أعقب انتهاء جولة التفاوض في إسلام آباد التي استمرت لنحو 21 ساعة، يكشف عن محاولات حثيثة إقليمية ودولية من أجل الوصول إلى تسوية مقبولة من واشنطن وطهران. ويبدو أن القيادة الباكستانية تعمل بالتنسيق مع القيادة الصينية على تدوير زوايا الخلاف في ملف النووي، والسعي للتوصل إلى آلية ترضي الطرفين، قد تتضمن جدولاً زمنياً لا يجبر إيران على التنازل عن حقها في امتلاك دورة تخصيب على أراضيها، وتضمن لواشنطن تأجيل أو تعطيل الطموحات الإيرانية تحت إشراف مشدد دولي بمشاركتها.
في المقابل، فإن التواصل الدبلوماسي بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان بعد جولة إسلام آباد، يكشف عن أن طهران باتت على استعداد لمزيد من التعاون والاعتراف بالأدوار الاستراتيجية لشركائها الإقليميين، وأنها تسعى لتدوير الزوايا في ما يتعلق بالوضع اللبناني بعدما كانت رفعت السقف عالياً بداية المفاوضات من خلال ضم لبنان إلى شرطها لوقف النار، بما يصادر قرار الدولة اللبنانية ويستبعد جميع مصالح الدول العربية، وبخاصة الدور التاريخي السعودي، وهو ما يمهد الطريق بالتالي أمام العودة إلى طاولة التفاوض مع واشنطن خلال الأيام المقبلة سواء في إسلام آباد، أو سويسرا برعاية باكستانية، بحيث تؤسس لمسار تهدئة دائم ومستقر، وتفتح الطريق أمام تفاهمات إقليمية على معطيات أكثر واقعية.







