حرية
تستعد بريطانيا لإدخال تعديلات واسعة على مناهج التربية الجنسية في المدارس، ضمن خطة حكومية تهدف إلى مواجهة تنامي السلوكيات العنيفة والمفاهيم المغلوطة حول العلاقات الجنسية بين المراهقين، في ظل تنامي تأثير المحتوى الرقمي وثقافة “الفضاء الذكوري” على الشباب.
وابتداءً من سبتمبر/أيلول المقبل، ستصبح النسخة المحدثة من منهج العلاقات والتربية الجنسية والصحة (RSHE) إلزامية في المدارس، متضمنة دروساً جديدة تحذر الطلاب من مخاطر بعض الممارسات الجنسية العنيفة، وتوضح الجوانب القانونية المرتبطة بها، إلى جانب التركيز على مفاهيم الموافقة والاحترام والعلاقات الصحية.
مواجهة مفاهيم خاطئة
أعدت المواد التعليمية أكاديمية أوك الوطنية، وهي هيئة مستقلة تدعم تطوير المناهج الدراسية في بريطانيا، استجابة لما وصفته بتزايد القلق من انتشار ممارسات وسلوكيات خطرة بين المراهقين، وتأثر بعضهم بمحتوى متداول عبر الإنترنت يطبع العنف داخل العلاقات.
وتركز الدروس الجديدة، الموجهة للطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و15 عاماً، على توضيح أن تعمد خنق الشريك أو التسبب في إعاقة تنفسه أثناء أي ممارسة جنسية يمثل جريمة جنائية يعاقب عليها القانون البريطاني بالسجن، مع التأكيد أن ادعاء وجود موافقة من الطرف الآخر لا يشكل مبرراً قانونياً في الحالات التي ينجم عنها أذى جسيم أو يكون هناك تعمد أو استهتار بإمكانية وقوعه.
ويهدف هذا الطرح إلى تصحيح المفاهيم القانونية لدى المراهقين، ومنع انتشار الاعتقاد بأن الموافقة تعفي من المسؤولية الجنائية في جميع الظروف.
التصدي لتأثير “الفضاء الذكوري”
وتأتي هذه الخطوة أيضاً في إطار مواجهة ما تصفه السلطات التعليمية البريطانية بتنامي تأثير ما يعرف بـ”الفضاء الذكوري”، إضافة إلى ثقافة “الإنسل”، وهي مجتمعات رقمية تضم رجالاً يعتقدون أنهم غير قادرين على إقامة علاقات عاطفية أو جنسية، ويُتهم بعض محتواها بالترويج لكراهية النساء وتبرير العنف ضدهن.
وترى الجهات التعليمية أن انتشار هذه الأفكار عبر منصات التواصل الاجتماعي بات ينعكس على النقاشات داخل المدارس، الأمر الذي يستدعي تزويد المعلمين بأدوات تساعدهم على التعامل مع هذه القضايا بصورة تربوية وعلمية.
تعليم الحدود والعلاقات الصحية
ولا تقتصر التحديثات على الجوانب القانونية، بل تشمل أيضاً تعزيز فهم الطلاب لمفهوم الموافقة بوصفها عملية مستمرة وليست موافقة مطلقة على جميع الأفعال، إضافة إلى تشجيعهم على وضع حدود واضحة داخل العلاقات واحترام رغبات الطرف الآخر.
كما تتناول الدروس التعرف إلى أنماط الإساءة النفسية والسلوكيات المسيئة في العلاقات، مثل التجسس على الهواتف الشخصية، ومحاولات السيطرة على الشريك، والتلاعب النفسي الذي يدفع الضحية إلى الشك في إدراكها أو ذاكرتها أو أحكامها.
ويأمل معدو المنهج أن يسهم هذا الجانب في رفع وعي المراهقين بالعلاقات الصحية قبل دخولهم مراحل عمرية أكثر تعقيداً.
الحكومة: الأفكار المتطرفة تُكتسب ولا تُولد
وقالت وزيرة المعايير المدرسية جورجيا غولد إن الآراء التي تروج لكراهية النساء ليست فطرية، بل تُكتسب من البيئة المحيطة، مؤكدة أن الحكومة تسعى إلى استخدام التعليم كوسيلة للحد من العنف ضد النساء والفتيات.
وأضافت أن إلزام جميع المدارس بتطبيق المنهج المحدث اعتباراً من سبتمبر المقبل سيساعد على مواجهة المفاهيم الخاطئة والسلوكيات الضارة في مراحل مبكرة، ويوفر للمعلمين أدوات تعليمية حديثة تستند إلى خبرات مختصين.
المعلمون في الخط الأمامي
من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لأكاديمية “أوك”، جون روبرتس، أن تجاهل القضايا الحساسة لم يعد خياراً، لأن ذلك يترك الشباب عرضة للمعلومات المضللة التي تنتشر عبر الإنترنت.
وأشار إلى أن المناهج الجديدة ستفتح الباب أمام نقاشات قد تكون صعبة داخل الفصول الدراسية، لكنها ضرورية لبناء وعي صحي لدى الطلاب، مؤكداً أن نجاح هذه المهمة يعتمد على توفير الدعم المناسب للمعلمين وتمكينهم من إدارة هذه الحوارات بطريقة آمنة ومتوازنة.
تحديات العصر الرقمي
تعكس الخطوة البريطانية تحولاً في فلسفة التربية الجنسية، إذ لم تعد تقتصر على الجوانب البيولوجية أو الصحية، بل أصبحت تتناول تأثير البيئة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل تصورات المراهقين عن العلاقات الإنسانية.
ويرى مختصون أن تصاعد المحتوى الذي يروج للعنف أو يرسخ الصور النمطية بين الجنسين فرض على المؤسسات التعليمية تحديث مناهجها لمواكبة التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية، في محاولة لبناء ثقافة قائمة على الاحترام المتبادل، والموافقة الواعية، والمسؤولية القانونية، بما يسهم في الحد من العنف القائم على النوع الاجتماعي وتعزيز العلاقات الصحية بين الأجيال الجديدة.







