بقلم: دريد توفيق
في التاريخ لحظات لا تُقاس بعدد السنين، بل بما تحمله من دلالاتٍ في وجدان الشعوب. ومن بين تلك اللحظات ما شهدته مدينة كركوك اليوم، بعد ما يقارب قرناً من الزمن على آخر إدارة تركمانية لها في أواخر العهد العثماني، حين يعود اسم تركماني ليتولى منصب محافظها من جديد بتكليف محمد سمعان آغا.قبل أكثر من مئة عام، كان اسم فتاح باشا يتردد في سجلات الإدارة العثمانية بوصفه متصرف لواء كركوك، حين كانت المدينة جزءاً من ولاية الموصل العثمانية. وفي تلك المرحلة التاريخية كانت كركوك مدينةً ذات حضور تركماني واضح، ضمن نسيج اجتماعي متنوع يجمع العرب والكرد والتركمان وغيرهم. وقد كانت الإدارة العثمانية تحاول آنذاك الحفاظ على التوازن والاستقرار في مدينة تُعدّ حلقة وصل جغرافية وسياسية مهمة بين الموصل وبغداد ومناطق شمال العراق.غير أن التاريخ لا يسير دائماً في خط مستقيم. فمع نهاية الحكم العثماني عام 1917 ودخول العراق مرحلة الانتداب البريطاني، ثم تأسيس الدولة العراقية الحديثة، بدأت كركوك مرحلة طويلة من التحولات السياسية والديموغرافية العميقة. وخلال هذا القرن المضطرب، واجه التركمان في كركوك وفي مدن أخرى مثل تلعفر وطوزخورماتو وكفري وآمرلي سلسلة من التحديات القاسية التي تركت آثاراً عميقة في ذاكرتهم الجماعية.
لم تكن تلك التحديات مجرد خلافات سياسية عابرة، بل كانت في كثير من الأحيان اختبارات قاسية للوجود والهوية. فقد شهدت العقود الماضية حوادث دامية ومآسي إنسانية بقيت راسخة في الذاكرة التركمانية. من أبرزها أحداث كركوك عام 1959 التي سقط فيها عدد كبير من الضحايا من أبناء المدينة، إضافة إلى موجات العنف والاضطرابات التي تكررت في مراحل مختلفة من تاريخ العراق الحديث.
كما تعرض التركمان، خلال عقود لاحقة، إلى أشكال متعددة من التهميش السياسي والضغط الأمني، فضلاً عن سياسات التغيير الديموغرافي التي بلغت ذروتها خلال فترة حكم حزب البعث. ففي تلك الحقبة صدرت قوانين وإجراءات مثل قانون المستفيدين، الذي كان من أبرز أدوات إعادة تشكيل الخريطة السكانية لكركوك، حيث مُنحت امتيازات سكنية ووظيفية لوافدين جدد بهدف تغيير التوازن السكاني للمدينة.
وفي المقابل، واجه كثير من المواطنين التركمان قيوداً في تملك العقارات أو تثبيت ملكياتهم في بعض الفترات، وهو ما ترك آثاراً اجتماعية واقتصادية عميقة امتدت لسنوات طويلة.
ولم تتوقف معاناة التركمان عند تلك الحقبة. ففي السنوات التي أعقبت عام 2003، ورغم التحولات السياسية التي شهدها العراق، بقي حضور المكون التركماني في كثير من الأحيان محدوداً في معادلات السلطة المحلية والوطنية. وفي بعض الأحيان ظهر تمثيل سياسي شكلي لا يعكس حقيقة الثقل التاريخي والاجتماعي لهذا المكون في كركوك ومناطق أخرى.
أما التحديات الأمنية، فقد أخذت شكلاً جديداً مع صعود التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم داعش، الذي استهدف عدداً من المناطق ذات الغالبية التركمانية، وارتكب جرائم بحق المدنيين، كما حدث في تلعفر وآمرلي وطوزخورماتو وغيرها من المدن التي دفع أهلها ثمناً باهظاً في مواجهة الإرهاب.
كل تلك الأحداث جعلت القضية بالنسبة لكثير من أبناء التركمان ليست مجرد مسألة تمثيل سياسي، بل قضية حفاظ على الهوية والوجود التاريخي.
ولهذا فإن تعيين محمد سمعان آغا محافظاً لكركوك لا يُنظر إليه لدى كثير من أبناء هذا المكون بوصفه مجرد تغيير إداري في منصب حكومي، بل باعتباره لحظة رمزية في مسار طويل من الصبر والصمود.
إنها لحظة تعني أن التاريخ، مهما طال زمنه، قد يعود ليصحح بعض مساراته.
لكن هذه اللحظة، بكل ما تحمله من مشاعر الفخر والأمل، ليست نهاية الطريق بل بدايته. فالمسؤولية التي تقع اليوم على عاتق المحافظ الجديد ليست مسؤولية إدارية فحسب، بل هي مسؤولية تاريخية أيضاً.
إن كركوك ليست مدينة لمكون واحد، بل هي مدينة لجميع أبنائها. مدينة تعلمت عبر تاريخها الطويل أن التنوع ليس عبئاً بل مصدر قوة، وأن إدارة هذا التنوع تحتاج إلى حكمة وعدالة وشعور عميق بالانتماء إلى العراق أولاً.
ولهذا فإن الرسالة التي ينتظرها أبناء كركوك – بل والعراق كله – من هذه المرحلة هي رسالة واضحة:
أن التركمان، بوصفهم جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني العراقي، قادرون على إدارة أعقد الملفات السياسية والإدارية بروح وطنية جامعة، وبعقل دولة يحفظ حقوق جميع المكونات دون استثناء.
إلى محمد سمعان آغا، المحافظ الجديد لكركوك:
إن الطريق أمامك ليس سهلاً، لكنه طريق يحمل فرصة تاريخية لإثبات أن القيادة الحقيقية تُبنى على العدالة، وأن خدمة المدينة تعني خدمة جميع أبنائها دون تمييز.
نسأل الله أن يعينك على هذه المسؤولية الكبيرة، وأن يجعل هذه المرحلة بداية صفحة جديدة من الاستقرار والإنصاف لمدينة كركوك، المدينة التي كانت وما زالت مرآةً لتنوع العراق وروحه.







