د.هبة السامرائي
رحلةٌ .. من تنظيم الوقت إلى فهم الذات
هناك مصطلحات تمرّ في حياتنا اليومية مرور المسلّمات، نرددها دون أن نتوقف عند حقيقتها أو نعيد النظر في معناها…
ومن بين هذه المصطلحات يبرز مفهوم (إدارة الوقت) بوصفه أحد أكثر المفاهيم تداولاً في عالم التنمية البشرية.. لكن، هل الوقت حقاً شيء يمكن إدارته؟
أنا لا أؤمن بذلك…
الوقت ليس كائناً حياً، ولا موردًا قابلًا للزيادة أو النقصان، ولا مادة يمكن تشكيلها وفق رغباتنا…
الوقت ثابت، يسير بوتيرته الخاصة، لا يتباطأ حين نرهق، ولا يتسارع حين نتأخر…
أربع وعشرون ساعة هي نصيب كل إنسان، الغني والفقير، الناجح والمتعثر، الطموح والمتردد…
وهنا تكمن المفارقة .. إذا كان الجميع يمتلك القدر ذاته من الوقت، فلماذا يختلف الناس في إنجازاتهم؟
الإجابة لا تكمن في إدارة الوقت، بل في إدارة الذات.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في ضيق الوقت كما نظن، بل في اتساع الفوضى داخلنا…
نحن لا نعاني من نقص الساعات، بل من تشتت الانتباه، ومن صراع الأولويات، ومن عجز خفي عن توجيه أنفسنا نحو ما نعرف أنه مهم…
ولذلك، فإن محاولة “إدارة الوقت” تشبه محاولة الإمساك بالماء ..جهد كبير بلا نتيجة حقيقية…
ما نحتاجه هو أن نعيد توجيه البوصلة نحو الداخل…
إدارة الذات تعني أن أفهم نفسي أولاً ..
متى أكون في ذروة نشاطي؟ ما الذي يستنزف طاقتي؟
لماذا أؤجل؟
ما الذي أخشاه حين أهرب من إنجاز مهمة ما؟
إنها رحلة وعي قبل أن تكون خطة تنظيم…
فبدون هذا الوعي، تصبح الجداول مجرد أوراق جميلة وتتحول القوائم إلى عبء إضافي بدل أن تكون وسيلة مساعدة…
حين أدير ذاتي، أنا لا أتحكم في الزمن، بل أتحكم في طريقة حضوري داخله…
أتعلم أن أقول “لا” حين يلزم، وأختار أولوياتي بصدق لا بمجاملة، وأمنح تركيزي لما يستحقه فعلاً ..
أتعامل مع طاقتي باعتبارها المورد الحقيقي، لا الوقت. فالإنسان قد يمتلك ساعات طويلة، لكنه عاجز عن إنجاز شيء إذا كان منهكاً أو مشتتاً…
وعلى العكس، قد ينجز الكثير في وقت قصير إذا كان حاضر الذهن، واضح الهدف…
إدارة الذات أيضاً هي مواجهة مستمرة مع العادات. لأننا في النهاية لسنا ما نخطط له، بل ما نكرره يومياً…
كل عادة صغيرة، سواء كانت تأجيلاً أو انضباطاً، تساهم في تشكيل علاقتنا بالوقت. لذلك، التغيير الحقيقي لا يبدأ من الساعة، بل من السلوك…
أنا حين أصر على تغيير المصطلح من “إدارة الوقت” إلى “إدارة الذات”، لا أبحث عن مجرد تعديل لغوي، بل عن تصحيح في الفهم .. لأن الكلمات تصنع تصوراتنا، والتصورات تصنع أفعالنا…
وعندما نقتنع أننا نُدير الوقت، فإننا نضع اللوم خارجياً ..
أما عندما ندرك أننا ندير أنفسنا، فإننا نستعيد مسؤوليتنا…
وهذا الإدراك، رغم بساطته، هو نقطة التحول.
في النهاية، الوقت لن ينتظرنا، ولن يتغير من أجلنا.
لكنه أيضاً ليس خصماً لنا.. إنه مساحة محايدة، ونحن من نملؤها بما نكون عليه.
فإذا أحسنا إدارة ذواتنا، أصبح الوقت حليفاً صامتاً، وإن فشلنا، بدا وكأنه عدو لا يُهزم ..
لذلك، القضية ليست كيف نسيطر على الوقت، بل كيف نصبح جديرين به ..







