حرية
تتجه الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تكثيف جهودهما لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، عبر بحث تشكيل تحالف دولي جديد، في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الغربي بأمن أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، بالتزامن مع استمرار التوتر العسكري مع إيران.
وبحسب ما أورده موقع “أكسيوس” الأميركي، فإن لندن تستعد لاستضافة اجتماع رفيع المستوى الأسبوع المقبل، يضم وزراء دفاع وكبار القادة العسكريين من دول غربية وإقليمية، لبحث آليات إنشاء قوة متعددة الجنسيات تتولى حماية الملاحة وضمان حرية العبور في المضيق.
ونقل الموقع عن مصادر دبلوماسية أوروبية وأخرى مطلعة أن موعد الاجتماع وجدول أعماله لم يُحسما بشكل نهائي، إلا أن المشاورات تتقدم بوتيرة متسارعة، وسط توقعات بمشاركة وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين.
ووفقاً للمصادر، فإن واشنطن تسعى للبناء على مشاورات أجرتها بريطانيا وفرنسا خلال الأشهر الماضية مع عدد من الدول، بهدف توسيع قاعدة المشاركة في أي مهمة بحرية دولية محتملة، مع التركيز على توفير قدرات عسكرية تشمل سفن كاسحات الألغام، والقطع البحرية، والطائرات المسيّرة، لضمان أمن الممرات المائية.
في المقابل، أبدت عدة دول تحفظها على الانضمام إلى أي تحالف عسكري قبل التوصل إلى وقف للتصعيد في منطقة الخليج، معتبرة أن نجاح أي مهمة بحرية يتطلب بيئة أمنية مستقرة تقلل من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
ويأتي هذا التحرك في وقت تعتبر فيه الإدارة الأميركية أن إعادة تأمين مضيق هرمز واستئناف الملاحة التجارية بصورة طبيعية يمثلان أحد المفاتيح الأساسية لإنهاء تداعيات المواجهة مع إيران، والحد من الاضطرابات التي أصابت أسواق الطاقة العالمية.
تكشف هذه التحركات عن انتقال الاستراتيجية الغربية من التركيز على إدارة المواجهة العسكرية مع إيران إلى مرحلة تأمين نتائجها الاقتصادية، إذ باتت حماية خطوط الملاحة في الخليج أولوية لا تقل أهمية عن العمليات العسكرية نفسها.
ويُعد مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، إذ يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة الدولية.
ويبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى توزيع أعباء حماية المضيق على حلفائها، بدلاً من تحملها منفردة، وهو ما يفسر دعوتها لدول أوروبية وإقليمية للمشاركة بقدرات بحرية متخصصة، ولا سيما في مجال إزالة الألغام البحرية والاستطلاع والمراقبة.
غير أن تشكيل مثل هذا التحالف لن يكون مهمة سهلة، إذ تخشى العديد من الدول أن يؤدي الانخراط في قوة بحرية جديدة إلى جعلها طرفاً مباشراً في الصراع مع إيران، خاصة إذا استمرت العمليات العسكرية أو تعرضت السفن المشاركة لهجمات في المنطقة.
أبعاد استراتيجية
إذا نجحت واشنطن في تشكيل هذا التحالف، فإنها ستكون قد أعادت إحياء نموذج التحالفات البحرية الدولية التي شُكلت سابقاً لحماية الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، لكن في ظروف أمنية أكثر تعقيداً، مع اتساع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ والألغام البحرية.
كما أن وجود قوة بحرية متعددة الجنسيات قد يمنح الأسواق العالمية قدراً أكبر من الثقة باستمرار تدفق صادرات النفط، ويحد من تقلبات الأسعار، وهو هدف اقتصادي لا يقل أهمية عن الأهداف العسكرية للتحالف.
في المقابل، قد تنظر إيران إلى أي انتشار بحري دولي واسع قرب مياهها الإقليمية على أنه تصعيد جديد يهدد أمنها القومي، ما قد يدفعها إلى تعزيز وجودها العسكري في الخليج أو فرض معادلات ردع جديدة، وهو ما يبقي احتمالات التوتر قائمة رغم الجهود الرامية إلى حماية الملاحة.
المشهد المقبل
تشير المؤشرات إلى أن أمن مضيق هرمز أصبح محوراً رئيسياً في ترتيبات ما بعد التصعيد العسكري، وأن نجاح أي مسار سياسي أو اقتصادي في المنطقة سيظل مرتبطاً بقدرة المجتمع الدولي على ضمان حرية الملاحة في هذا الممر الحيوي.
ومع استمرار المشاورات بين واشنطن ولندن وحلفائهما، يبقى تشكيل التحالف الدولي رهناً بتطورات الميدان، ومدى استعداد الدول للمشاركة في مهمة قد تمثل نقطة تحول في معادلات الأمن البحري في الخليج خلال المرحلة المقبلة.







