حرية
في خطوة تعكس تحولاً جديداً في السياسة التجارية الأميركية، أعادت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية على واردات قادمة من نحو 60 شريكاً تجارياً، لكن هذه المرة تحت عنوان “مكافحة العمل القسري”، بعدما أغلقت المحكمة العليا الباب أمام استخدام قانون الطوارئ الاقتصادية كأساس قانوني لفرض الرسوم.
وبينما تبدو الخطوة في ظاهرها دفاعاً عن حقوق الإنسان، يرى مراقبون أنها تمثل محاولة لإعادة بناء منظومة الحماية التجارية الأميركية بأدوات قانونية جديدة، تتيح لواشنطن مواصلة الضغط الاقتصادي على شركائها التجاريين من دون الاصطدام مجدداً بالعقبات القضائية.
من القضاء إلى التجارة
بدأت الأزمة عندما أصدرت المحكمة العليا الأميركية، في 20 شباط/فبراير 2026، حكماً يقضي بأن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) لا يمنح الرئيس سلطة فرض الرسوم الجمركية، معتبرة أن صلاحيات الرئيس في هذا القانون تقتصر على مواجهة التهديدات الخارجية عبر أدوات اقتصادية، وليس فرض تعريفات على الواردات.
ولم تنتظر الإدارة الأميركية طويلاً، إذ لجأت إلى المادة (122) من قانون التجارة لعام 1974 لفرض رسوم مؤقتة بنسبة 10% لمدة 150 يوماً لمعالجة اختلالات ميزان المدفوعات والعجز التجاري، وهي المهلة التي انتهت في 24 تموز/يوليو.
ومع انتهاء العمل بهذه الرسوم، انتقلت واشنطن إلى استخدام المادة (301) من قانون التجارة، التي تمنح الممثل التجاري الأميركي صلاحية فرض تعريفات جمركية بعد إجراء تحقيقات رسمية بشأن الممارسات التجارية التي تعتبرها الولايات المتحدة غير عادلة أو تضر بمصالحها.
“حقوق الإنسان” كأداة تجارية
الجديد في السياسة الأميركية هو ربط الرسوم الجمركية بملف العمل القسري، حيث أجرت واشنطن تحقيقات شملت 60 اقتصاداً، خلصت فيها إلى أن عدداً من الدول لا يطبق إجراءات فعالة لمنع دخول المنتجات المصنوعة باستخدام العمل القسري إلى أسواقها.
وبناءً على نتائج التحقيقات، قسمت الإدارة الأميركية الدول إلى فئتين:
- دول تمتلك قوانين أو تعهدات تمنع استيراد السلع المنتجة بالعمل القسري، وفرضت عليها رسوم بنسبة 10%.
- دول لا تطبق مثل هذه الإجراءات، وفرضت عليها رسوماً بنسبة 12.5%.
وتشمل القائمة دولاً كبرى مثل بريطانيا وكندا والهند والمكسيك وماليزيا وباكستان، بينما استُثنيت بعض السلع الإستراتيجية، مثل النفط والغاز والمعادن الحرجة والأسمدة والطائرات وبعض المنتجات الغذائية، لتجنب اضطرابات في السوق الأميركية.
البعد السياسي
رغم أن المبرر الرسمي يتمثل في حماية حقوق الإنسان، فإن توقيت القرار وسياقه يشيران إلى أهداف أوسع.
فالولايات المتحدة تسعى إلى إعادة تشكيل قواعد التجارة العالمية بما يمنحها قدرة أكبر على الضغط على الشركاء التجاريين، ليس فقط عبر المنافسة الاقتصادية، وإنما أيضاً من خلال معايير تتعلق بحقوق الإنسان والبيئة وسلاسل التوريد.
وبذلك، تتحول الرسوم الجمركية من أداة مالية إلى وسيلة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية، تسمح لواشنطن بإعادة ترتيب علاقاتها التجارية وفق معايير تضعها هي، بدلاً من الاكتفاء بقواعد منظمة التجارة العالمية.
اعتراضات دولية
لم تمر الخطوة الأميركية من دون انتقادات.
فالصين رفضت الرسوم ووصفتها بأنها إجراءات أحادية الجانب، بينما اعتبرت البرازيل وأستراليا أنها غير مبررة، وأكدت النرويج عدم وجود أساس قانوني يبرر فرضها.
أما الاتحاد الأوروبي، فقد تبنى موقفاً أكثر حذراً، مشيراً إلى أن الرسوم الجديدة لا تتجاوز السقوف التي سبق الاتفاق عليها مع واشنطن، ما يعكس رغبة أوروبية في تجنب تصعيد تجاري جديد مع الولايات المتحدة.
من يدفع الثمن؟
ورغم أن الرسوم تستهدف الواردات الأجنبية، فإن التجارب السابقة تشير إلى أن المتضرر الأول غالباً ما يكون داخل الولايات المتحدة نفسها.
فبحسب لجنة التجارة الدولية الأميركية، فإن الشركات الأميركية المستوردة تتحمل معظم كلفة الرسوم عند دخول البضائع، قبل أن تنعكس هذه الكلفة على المستهلك النهائي من خلال ارتفاع الأسعار.
وتوضح بيانات اللجنة أن كل زيادة بنسبة 1% في الرسوم الجمركية تؤدي تقريباً إلى ارتفاع مماثل في أسعار الواردات، ما يعني أن جزءاً كبيراً من فاتورة الرسوم يتحمله المستهلك الأميركي.
تعكس السياسة الجديدة ثلاثة أهداف رئيسية للإدارة الأميركية:
- تعزيز الصناعة المحلية عبر تقليل تنافسية السلع المستوردة.
- إعادة هندسة سلاسل الإمداد العالمية وربطها بمعايير أميركية تتعلق بحقوق الإنسان والعمل.
- امتلاك أساس قانوني أكثر متانة بعد خسارة الإدارة معركتها أمام المحكمة العليا بشأن قانون الطوارئ.
وفي الوقت نفسه، تمنح المادة (301) الإدارة الأميركية مرونة أكبر في فرض الرسوم، لأنها تستند إلى تحقيقات رسمية ومشاورات وإجراءات قانونية واضحة، ما يجعل الطعن بها أكثر تعقيداً مقارنة بالإجراءات السابقة.
ماذا يعني ذلك للعالم؟
إذا استمرت واشنطن في توسيع استخدام المادة (301)، فقد تدخل التجارة العالمية مرحلة جديدة، تصبح فيها قضايا مثل حقوق الإنسان والعمل القسري والبيئة أدوات مؤثرة في رسم السياسات الجمركية، وليس مجرد ملفات حقوقية منفصلة.
كما قد يدفع ذلك العديد من الدول إلى تعديل تشريعاتها التجارية أو الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة لتجنب الرسوم، بينما قد تتجه دول أخرى إلى اتخاذ إجراءات مضادة، ما ينذر بموجة جديدة من التوترات التجارية العالمية.
لا تبدو الرسوم الجمركية الجديدة مجرد تعديل في السياسة التجارية الأميركية، بل تمثل إعادة صياغة لأدوات النفوذ الاقتصادي الأميركي بعد القيود التي فرضها القضاء. فمن خلال ربط التجارة بملفات حقوق الإنسان، تسعى إدارة ترامب إلى بناء “جدار جمركي جديد” أكثر صلابة من الناحية القانونية وأكثر اتساعاً من الناحية السياسية، في خطوة قد تعيد رسم ملامح النظام التجاري العالمي خلال السنوات المقبلة.







