حرية
جرف النصر.. عقد من النزوح و100 ألف عراقي ينتظرون قرار العودة
بعد أكثر من عشر سنوات على استعادة ناحية جرف النصر (جرف الصخر سابقاً) من تنظيم داعش في تشرين الأول 2014، ما يزال ملف عودة سكانها يشكل واحدة من أكثر القضايا الإنسانية والسياسية تعقيداً في العراق. وبين المبررات الأمنية والخلافات السياسية وتعدد مراكز النفوذ، بقي عشرات الآلاف من الأهالي خارج منازلهم، فيما تتحول القضية تدريجياً من ملف نزوح مؤقت إلى أزمة مزمنة تمس مفهوم العدالة والمواطنة.
تشير تقديرات سياسية وبرلمانية إلى أن أكثر من 100 ألف نازح من جرف النصر والمناطق المحيطة بها لم يتمكنوا من العودة إلى ديارهم حتى الآن، رغم انتهاء العمليات العسكرية منذ سنوات وتراجع خطر تنظيم داعش بشكل كبير في عموم العراق.
من معركة التحرير إلى معركة العودة
عندما استعادت القوات العراقية جرف النصر عام 2014، كانت الأولوية تتمثل في تثبيت الأمن ومنع عودة الجماعات المتطرفة إلى المنطقة التي تمثل عقدة جغرافية مهمة تربط بين بغداد وكربلاء وبابل والأنبار. لكن مع مرور السنوات، تحولت الإجراءات الأمنية المؤقتة إلى واقع دائم، فيما بقي ملف العودة مؤجلاً دون جدول زمني واضح.
وخلال هذه الفترة، برزت روايتان متناقضتان؛ الأولى تتحدث عن ضرورة استكمال الإجراءات الأمنية وإزالة مخلفات الحرب والألغام قبل السماح بعودة السكان، بينما ترى الرواية الأخرى أن الملف أصبح رهينة حسابات سياسية وأمنية تتجاوز الاعتبارات الفنية والإنسانية.
عقدة أمنية أم قرار سياسي؟
يرى باحثون ومراقبون أن جوهر الأزمة لم يعد أمنياً فقط، بل أصبح سياسياً بامتياز. فبعد أكثر من عقد على التحرير، ما زالت المنطقة مغلقة أمام سكانها الأصليين، رغم نجاح عمليات العودة في مناطق عراقية أخرى كانت تشهد ظروفاً أمنية مشابهة أو أكثر تعقيداً.
ويؤكد مختصون أن أي تقدم في هذا الملف يحتاج إلى قرار سياسي واضح تتبناه الدولة بمختلف مؤسساتها، يرافقه اتفاق أمني يحدد الجهات المسؤولة عن إدارة المنطقة وحماية العائدين.
تحديات حقيقية على الأرض
في المقابل، لا يمكن تجاهل وجود تحديات واقعية تعيق العودة، أبرزها:
- انتشار الألغام والعبوات غير المنفلقة في أجزاء من المنطقة.
- الدمار الواسع الذي طال البنى التحتية والمرافق الخدمية.
- الحاجة إلى تدقيق أمني لملفات السكان.
- غياب خطة إعمار شاملة تضمن عودة مستقرة ومستدامة.
هذه التحديات تجعل العودة الفورية أمراً معقداً، لكنها لا تبرر استمرار النزوح المفتوح دون أفق زمني أو خارطة طريق واضحة.
أزمة حقوق أم أزمة ثقة؟
أصبحت قضية جرف النصر تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على تحقيق التوازن بين المتطلبات الأمنية والحقوق الدستورية للمواطنين. فالدستور يكفل حق السكن والتنقل والعودة إلى مناطق الإقامة الأصلية، بينما يشعر النازحون بأن ملفهم لم يعد أولوية لدى الحكومات المتعاقبة.
ومع استمرار الغموض، تتزايد المخاوف من ترسيخ واقع جديد يجعل العودة أكثر صعوبة مع مرور الوقت، خصوصاً للأجيال الشابة التي نشأت خارج المنطقة خلال السنوات العشر الماضية.
ما المطلوب اليوم؟
يرى مراقبون أن الحل يبدأ بتشكيل لجنة عليا تضم الحكومة الاتحادية والأجهزة الأمنية وممثلي السكان والسلطات المحلية، تتولى إعداد خطة معلنة تتضمن:
- تحديد جدول زمني واضح لعودة السكان.
- استكمال عمليات إزالة الألغام والمخلفات الحربية.
- إعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية.
- توفير ضمانات أمنية للعائدين.
- معالجة الملفات القانونية والإدارية المرتبطة بالملكية والتعويضات.
لم تعد قضية جرف النصر مجرد ملف نزوح، بل تحولت إلى قضية وطنية تختبر قدرة الدولة على إنهاء واحدة من أطول أزمات التهجير الداخلي في العراق. وبعد أكثر من عشر سنوات من الانتظار، يبقى السؤال الذي يطرحه آلاف النازحين قائماً: متى تتحول الوعود إلى قرار يعيدهم إلى بيوتهم وأرضهم التي غادروها منذ عام 2014؟






