حرية
عاد ملف مستحقات الفلاحين إلى واجهة المشهد في بغداد، بعدما خرج مئات المزارعين من محافظات مختلفة أمام مبنى وزارة المالية، مطالبين بالإفراج عن أموالهم المتأخرة، ولا سيما مستحقات تسويق محصول الحنطة، في احتجاج يعكس اتساع الفجوة بين ما تعلنه الحكومة من دعم للقطاع الزراعي وما يواجهه المنتجون على أرض الواقع.
التظاهرة لم تكن مطالبة جديدة، فالمزارعون سبق أن خرجوا في ساحة التحرير مطلع أيار الماضي للضغط باتجاه صرف مستحقاتهم، قبل أن تتفرق التظاهرة آنذاك باستخدام خراطيم المياه. ومع استمرار التأخير، عاد الملف إلى الشارع من بوابة وزارة المالية، في مؤشر على أن المشكلة لم تعد مرتبطة بموعد الصرف فقط، وإنما بثقة الفلاح بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
ويأتي الاحتجاج بعد تعهد وزير التجارة مصطفى نزار العاني بصرف مستحقات المزارعين والفلاحين، وفق ما نقله النائب الأول لرئيس مجلس النواب عدنان فيحان، وهو تعهد يضع الحكومة أمام استحقاق عملي يتمثل بتحويل الوعود إلى مبالغ تصل فعلياً إلى أصحابها.
وكان مجلس الوزراء قد وافق في 5 أيار الماضي على تسديد مستحقات الفلاحين للموسمين السابق والحالي، عبر إدراج مبالغ القروض والفوائد المترتبة عليها ضمن مشروع قانون الموازنة العامة المقبل، في محاولة لمعالجة الالتزامات المالية المتراكمة.
لكن استمرار خروج الفلاحين إلى الشارع يكشف أن المعالجة المالية لم تصل بعد إلى نهايتها.
المشكلة هنا لا تتوقف عند الأموال المتأخرة؛ فالفلاح الذي سلّم محصوله للدولة ينتظر مستحقاته لتمويل موسم جديد، وشراء البذور والأسمدة والوقود وتسديد أجور العمال والآليات والديون. وكل تأخير في الدفع قد يتحول بالتالي إلى ضغط على الموسم التالي، وليس مجرد أزمة سيولة مؤقتة.
وهنا تكمن خطورة تأخير مستحقات الحنطة تحديداً، لأن الدولة لا تتعامل مع محصول عادي، بل مع سلعة ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي للبلاد. فكلما تراجعت قدرة الفلاح على تمويل موسمه، ارتفعت احتمالات تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الحاجة إلى الاستيراد مستقبلاً.
والأكثر حساسية أن الدولة تشجع الفلاح على تسويق محصوله عبر القنوات الرسمية، وتحدد أسعاراً وآليات شراء، ثم يصبح تأخر المستحقات عاملاً قد يدفع المنتج إلى البحث عن خيارات أخرى في المواسم المقبلة.
ومن هنا فإن قضية الفلاحين تحمل بعداً اقتصادياً أوسع من مجرد مستحقات متأخرة: كيف تريد الدولة زيادة الإنتاج الزراعي وتقليل فاتورة الاستيراد، إذا كان المنتج نفسه ينتظر شهوراً للحصول على ثمن محصوله؟
كما أن اللجوء إلى الموازنة المقبلة لمعالجة الالتزامات السابقة يطرح سؤالاً حول إدارة السيولة والتخطيط المالي، خصوصاً أن مستحقات الفلاحين تتكرر سنوياً، ما يستدعي آلية تمويل واضحة ومواعيد صرف محددة بدلاً من تحويل الملف في كل موسم إلى أزمة جديدة.
وفي المقابل، فإن الاحتجاج أمام وزارة المالية يسلط الضوء على فجوة بين الجهات المسؤولة عن الإنتاج والتسويق والتمويل. فالفلاح يتعامل مع الدولة كمنظومة واحدة، ولا تعنيه الحدود بين وزارة التجارة والمالية والجهات الأخرى؛ ما يهمه في النهاية هو وصول مستحقاته في الوقت الذي يحتاج فيه إلى إعادة تشغيل أرضه.
وهنا يصبح التعهد بصرف الأموال خطوة مهمة، لكنه لا يكفي ما لم يتبعه جدول زمني واضح ومعلن للصرف، خصوصاً أن الاحتجاجات المتكررة تؤشر إلى أن الوعود السابقة لم تنهِ الأزمة.
وإذا كانت الحكومة تريد حماية محصول الحنطة ودعم الإنتاج المحلي، فإن حماية الفلاح من أزمة السيولة بعد التسويق يجب أن تكون جزءاً من السياسة الزراعية نفسها، لا ملفاً مالياً مؤجلاً إلى حين توفر الأموال.
فالفلاح لا يطلب دعماً استثنائياً؛ إنه يطالب بثمن محصول سلّمه للدولة.
ولهذا فإن استمرار التأخير قد يحول أزمة مستحقات إلى أزمة إنتاج، وقد يجعل الاحتجاجات الحالية رسالة مبكرة عن الموسم الزراعي المقبل.
ويبقى السؤال: هل تنجح الحكومة هذه المرة في إنهاء ملف المستحقات بصورة فعلية، أم يعود الفلاحون إلى الشارع في موسم جديد بالمطلب نفسه؟
فالحنطة تُحصد في الحقول، لكن استمرار الإنتاج يتوقف على ما إذا كانت الدولة ستدفع ثمنها في الوقت المناسب.






