بقلم: د.هبة السامرائي
في كل مرة يُطرح فيها حديث (المساواة) يبدو وكأن العالم يقف على طرفي نقيض .. طرف يرفع الشعار حتى يكاد يُحوّله إلى معركة، وطرف يرفضه كلياً كأنه تهديد لفطرة الأشياء. وبين هذا وذاك، تضيع فكرة أبسط وأعمق ..أن العلاقة بين المرأة والرجل لم تُخلق لتكون ساحة مقارنة، بل مساحة تكامل …
لم يُخلق الإنسان نسختين متماثلتين، بل صورتين مختلفتين تحملان جوهراً واحداً. هذا الاختلاف لم يكن خللاً يحتاج إلى تصحيح، ولا ظلماً يحتاج إلى محو، بل كان جزءاً من توازنٍ دقيق لو اختلّ، لاختلّت معه الحياة نفسها ..
المشكلة لم تبدأ من وجود الفروق، بل من طريقة فهمها.. حين تحوّلت من تنوعٍ طبيعي إلى مقياس تفاضل، ومن تكاملٍ هادئ إلى صراعٍ صاخب.
في زحمة الشعارات، صار السؤال يُطرح بطريقة خاطئة ..
من الأقوى؟ من الأقدر؟ من الأجدر؟
وكأن القيمة تُقاس بالمنافسة، لا بالدور .. وكأن الإنسان لا يُثبت وجوده إلا إذا شابه الآخر أو غلبه.
المرأة ليست نسخة أقل من الرجل، كما أن الرجل ليس النموذج الذي يجب أن تُقاس عليه كل الأدوار. لكلٍ منهما طاقته، طريقته، وبنيته التي لا تُختصر في القدرة الجسدية فقط، ولا في التحمل النفسي فقط، بل في مزيج معقد من العاطفة والعقل والوظيفة. وحين يُطلب من أحدهما أن يعيش حياة الآخر بالكامل، لا يتحقق العدل، بل يبدأ الاستنزاف …
ليس إنكاراً لقدرة المرأة حين يُقال إنها قد تنهك إن حملت كل ما يحمله الرجل، كما أنه ليس انتقاصاً من الرجل حين يُقال إنه لا يستطيع أن يكون بديلاً كاملاً في كل ما تقوم به المرأة. إنها حدود الطبيعة، لا حدود القيمة .. والخلط بين الأمرين هو ما يصنع هذا الارتباك المستمر.
المشكلة أن مفهوم (المساواة) كثيراً ما يُفهم بوصفه تماثلاً، بينما العدل أقرب إلى الإنصاف منه إلى التشابه. أن يُعطى كل إنسان ما يناسبه، لا أن يُطلب من الجميع أن يكونوا الشيء ذاته. فالعدالة لا تعني أن نسير جميعاً في الطريق نفسه، بل أن يكون لكلٍ منا طريقه الذي لا يُنتقص منه ولا يُفرض عليه.
في الواقع، ما يبدو أحياناً كدعوة للإنصاف، يتحول في تطبيقه إلى ضغطٍ خفي. المرأة تُدفع لتُثبت أنها قادرة على كل شيء، والرجل يُدفع ليبقى صامداً في كل شيء. كلاهما يُطالَب بما يفوق طبيعته أحياناً، لا بدافع الحاجة، بل بدافع المقارنة. وهنا، لا ينتصر أحد، بل يخسر الطرفان شيئاً من إنسانيتهما.
التكامل لا يعني التقليل، كما أن الاختلاف لا يعني التفاوت في القيمة. أن يكون لكل واحد منهما دور، لا يعني أن أحدهما أقل شأناً، بل يعني أن الصورة لا تكتمل إلا بهما معاً. الحياة لا تحتاج إلى نسختين متطابقتين، بل إلى تناغم بين اختلافين.
وربما المشكلة الأعمق ليست في المفاهيم، بل في النبرة التي تُناقش بها. حين يتحول الحديث إلى صراع، يفقد معناه الإنساني، ويصبح مجرد دفاعٍ أو هجوم. بينما الحقيقة أبسط من ذلك بكثير .. لا المرأة تحتاج أن تُصبح رجلاً لتثبت ذاتها، ولا الرجل يحتاج أن يُقصي المرأة ليحافظ على مكانه.
ما يحتاجه الطرفان هو مساحة يُعترف فيها بالاختلاف دون خوف، ويُحترم فيها الدور دون مقارنة، ويُفهم فيها أن القوة ليست في التشابه، بل في القدرة على أن يكون كل طرف كما هو، دون أن يُطلب منه أن يتخلى عن طبيعته.
لعل المشكلة لم تكن يوماً في السعي إلى العدل، بل في الطريقة التي فُهم بها. فحين يتحول العدل إلى سباق، يفقد روحه. وحين تُختزل العلاقة بين المرأة والرجل في ميزان (من يساوي من) ننسى أن الحياة لم تُبنَ على هذا السؤال أصلاً.
ربما ليست (المساواة) هي الكلمة الأدق، بل (الانسجام)..
نعم… (الانسجام بين المرأة والرجل)..
ذلك التوازن الصامت الذي لا يحتاج إلى إثبات، لأنه يظهر في بساطة الأشياء حين تكون في مكانها الصحيح …
وربما آن الأوان أن نُعيد تسمية الأشياء بما يُشبه حقيقتها، لا بما اعتدنا ترديده…فالمسألة لم تكن يوماً أن تتساوى المرأة مع الرجل حتى تتشابه معه، بل أن ينسجما حتى يكتمل كلٌ منهما بالآخر. فالمساواة حين تُفهم كتماثل تُربك الفطرة، وتُحمّل الإنسان ما ليس له، بينما الانسجام يُعيد لكل طرف إيقاعه الطبيعي دون صراع أو إثبات. ليس المطلوب أن نقف في الميزان نفسه، بل أن نسير في لحنٍ واحد، تختلف فيه النغمات لكن لا يختل فيه المعنى. فهناك، فقط، لا يشعر أحد أنه أقل، ولا يحتاج أحد أن يكون غير نفسه ليُعترف به…







