حرية
طرح النائب أحمد مجيد الشرماني حزمة مقترحات لتعديل عدد من القوانين المرتبطة بالمال العام ورواتب المسؤولين والامتيازات المالية، تتضمن تحديد راتب شهري مقطوع لعضو مجلس النواب بـخمسة ملايين دينار، إلى جانب إعادة تنظيم رواتب أصحاب الدرجات الخاصة والحد من المخصصات والمنافع المرتبطة بالمناصب العليا في الدولة.
وقال الشرماني إن المقترحات تأتي ضمن الدور التشريعي والرقابي لمجلس النواب، وتستهدف معالجة ملفات يرى أنها بحاجة إلى تنظيم قانوني أكثر وضوحاً، وفي مقدمتها الكسب غير المشروع، وازدواج الرواتب، والامتيازات المالية للمسؤولين.
تشديد على الكسب غير المشروع
ويتضمن أحد المقترحات تعديل قانون هيئة النزاهة والكسب غير المشروع رقم 30 لسنة 2011، عبر تفعيل إجراءات الكشف عن الذمة المالية ومساءلة المكلفين الذين تظهر زيادات كبيرة وغير مبررة في أموالهم.
كما يقترح إلزام المشمولين بالقانون بتقديم بياناتهم المالية ضمن المدد المحددة، وتشديد العقوبات في حالات العجز عن إثبات مصادر الزيادة الكبيرة في أموال المكلف أو زوجته وأولاده، متى ثبت ارتباطها بكسب غير مشروع، مع إحالة المخالفين إلى القضاء.
إنهاء ازدواج الرواتب
ويتعلق المقترح الثاني بإلغاء حالات تعدد أو ازدواج الرواتب، بحيث لا يحصل الشخص على أكثر من راتب تحت أي عنوان أو مسمى، إلى جانب معالجة الرواتب المرتبطة بمنتسبي الأجهزة القمعية للنظام السابق.
ويرتبط هذا المقترح بمسألة العدالة في توزيع الموارد العامة، خصوصاً في ظل الضغوط التي تواجه الموازنة والنفقات الحكومية، إذ إن استمرار حصول بعض الأشخاص على أكثر من مصدر للدخل الحكومي يثير تساؤلات بشأن كفاءة إدارة المال العام وتكافؤ الفرص.
خمسة ملايين للنائب وإعادة ضبط الامتيازات
أما المقترح الأكثر إثارة للجدل، فيتعلق بتعديل قانون إلغاء الامتيازات المالية للمسؤولين رقم 28 لسنة 2019، بحيث يُحدد راتب عضو مجلس النواب بـخمسة ملايين دينار شهرياً، مع تنظيم رواتب الدرجات الخاصة في الرئاسات الثلاث ومؤسسات الدولة.
وبحسب المقترح، لا يُسمح بصرف مبالغ إضافية للمشمولين تحت عناوين مختلفة، باستثناء حالات ينص عليها القانون، ومنها بدل الإيجار للنائب الذي لا يمتلك عقاراً في بغداد، وفق ضوابط محددة.
كما يتضمن تنظيم عدد الموظفين الذين يحق للنائب ترشيحهم للعمل معه، وضبط رواتبهم وعقودهم، فضلاً عن وضع سقوف لأعداد الحمايات والمرافقين والمستشارين.
ويمتد المقترح إلى السيارات الحكومية والعلاج والضيافة والإعانات الاجتماعية، مع إخضاع ملف السيارات والإنفاق المرتبط بها لرقابة ديوان الرقابة المالية، وإلغاء مخصصات الضيافة والإعانات للمسؤولين، فضلاً عن تطبيق قانون التقاعد الموحد على أصحاب الدرجات الخاصة.
تكمن أهمية هذه المبادرة في أنها تنقل النقاش حول امتيازات المسؤولين من مستوى الانتقاد السياسي والإعلامي إلى محاولة وضع سقوف قانونية واضحة للرواتب والمخصصات والمنافع المرتبطة بالمنصب العام.
واللافت أن المقترح لا يستهدف راتب النائب وحده، وإنما يحاول معالجة منظومة أوسع تشمل الموظفين الذين يعملون مع النواب، والحمايات والمستشارين، والسيارات الحكومية، والعلاج، والضيافة، والتقاعد، وهي أبواب يمكن أن تتحول إلى إنفاق إضافي كبير إذا غابت عنها السقوف والرقابة.
لكن نجاح المقترح، في حال وصوله إلى مرحلة التشريع، سيتوقف على مدى وضوح النصوص وآليات تطبيقها وشمولها جميع أصحاب المناصب دون استثناءات واسعة؛ لأن تقليص راتب أساسي مقابل الإبقاء على مخصصات وعناوين إنفاق متعددة قد يفقد الإصلاح هدفه الحقيقي.
وفي المقابل، فإن ضبط رواتب المسؤولين وحده لن يكون كافياً لمعالجة الهدر المالي ما لم يترافق مع رقابة فعلية على الإنفاق الحكومي، وتدقيق في الذمم المالية، وملاحقة تضخم الثروات غير المبرر، ومنع ازدواج الرواتب، وربط الامتيازات بالحاجة الفعلية لا بالموقع السياسي.
وعليه، فإن المقترح يفتح واحداً من أكثر الملفات حساسية في الدولة العراقية: هل تتحول الوظيفة العامة إلى مسؤولية بلا امتيازات استثنائية، أم تبقى المناصب العليا بوابة لمزايا مالية تتجاوز الراتب الرسمي؟ ويبدو أن الإجابة ستتحدد داخل البرلمان عند مناقشة هذه التعديلات وتحويلها من مقترحات إلى نصوص ملزمة.







