حرية | تقرير تحليلي – إعداد: قسم التحليل السياسي
يسلط كتاب «دبلوماسية الخنادق» للدبلوماسي الأمريكي من أصل عربي نبيل خوري الضوء على التحولات العميقة التي طرأت على عمل البعثات الدبلوماسية الأمريكية في مناطق النزاع، كاشفاً عن انتقال واشنطن من نمط “الدبلوماسية المفتوحة” إلى “الدبلوماسية المحصّنة” التي تُدار من خلف الجدران الأمنية وتحت ضغط التهديدات الميدانية.
ويستعرض خوري، الذي عمل في عدد من الدول العربية بينها العراق واليمن ومصر، تجربته داخل السلك الدبلوماسي، مشيراً إلى أن السفارات الأمريكية باتت تعمل ضمن بيئات عالية الخطورة، ما أدى إلى تقييد حركة الدبلوماسيين وتقليص تواصلهم المباشر مع المجتمعات المحلية، خصوصاً بعد حادثة مقتل السفير الأمريكي في بنغازي عام 2012.
منذ أحداث ما بعد 2003 في العراق، وتصاعد الاضطرابات الإقليمية، دخلت الدبلوماسية الأمريكية مرحلة جديدة اتسمت بتزايد الاعتماد على الإجراءات الأمنية والعسكرية في إدارة العلاقات الخارجية.
هذا التحول تعزز بعد هجوم بنغازي، الذي دفع وزارة الخارجية الأمريكية إلى إعادة تقييم وجودها في مناطق النزاع، وتحويل سفاراتها إلى ما يشبه “المناطق الخضراء المصغّرة”.
في هذا السياق، تراجعت أدوات “القوة الناعمة” التقليدية لصالح مقاربات أكثر صلابة، تتقاطع فيها الدبلوماسية مع العمل الاستخباري والعسكري، وهو ما انعكس بشكل مباشر على طبيعة التفاعل الأمريكي مع مجتمعات الشرق الأوسط.
يقدّم كتاب «دبلوماسية الخنادق» قراءة نقدية من داخل المؤسسة الأمريكية نفسها، وهو ما يمنحه وزناً خاصاً في فهم السلوك السياسي لواشنطن في المنطقة.
أولاً، يكشف الكتاب عن فجوة متزايدة بين صانع القرار في واشنطن والواقع الميداني في الدول المستهدفة، حيث يتم بناء السياسات أحياناً على معلومات غير مكتملة بسبب ضعف الاحتكاك المباشر مع المجتمع المحلي. هذه الفجوة تُنتج قرارات أقل دقة، وأكثر عرضة لسوء التقدير.
ثانياً، يوضح خوري أن “عسكرة الدبلوماسية” أدت إلى تراجع الثقة الشعبية بالوجود الأمريكي، إذ لم يعد الدبلوماسي يُنظر إليه كوسيط أو شريك، بل كجزء من منظومة أمنية مغلقة، ما يعقّد مهمة بناء العلاقات طويلة الأمد.
ثالثاً، يبرز مفهوم “إدارة الأزمة بدل حلّها”، حيث تتحول الدبلوماسية إلى أداة لاحتواء التوترات وليس معالجتها جذرياً، وهو ما يمكن ملاحظته في عدة ملفات إقليمية، من العراق إلى اليمن.
رابعاً، يعكس الكتاب صراع الهوية داخل المؤسسة نفسها، خصوصاً لدى الدبلوماسيين من أصول عربية، الذين يجدون أنفسهم بين فهم أعمق للمنطقة وبين سياسات قد لا تنسجم دائماً مع هذا الفهم.
«دبلوماسية الخنادق» ليس مجرد مذكرات دبلوماسي، بل وثيقة تحليلية تكشف أن الولايات المتحدة لم تعد تمارس دبلوماسيتها من موقع “التواصل”، بل من موقع “التحصّن وإدارة المخاطر”.
وهذا التحول، رغم أنه يعزز الأمن التكتيكي، إلا أنه يضعف الفعالية الاستراتيجية على المدى البعيد، ويطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة واشنطن على إعادة بناء نفوذها في بيئة إقليمية باتت أكثر تعقيداً وأقل تقبلاً للنماذج التقليدية للتأثير.

الصورة خاصة لوكالة حرية







