كارتر مالكسيان
في ما يقارب ستة أسابيع من الحرب مع إيران، بدا الأداء العسكري للولايات المتحدة وإسرائيل أكثر فاعلية مما كان متوقعاً. فقد تمكنت الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية من تدمير آلاف الأهداف في إيران في الفترة الواقعة بين بداية الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي وتطبيق وقف إطلاق النار هذا الأسبوع. ورغم أن الضربات الانتقامية الإيرانية تسببت في أضرار ملموسة، فإن الدفاعات الجوية الأميركية والإسرائيلية عملت بكفاءة. وإذ لم يتم الكشف حتى الآن عن التفاصيل الكاملة بشأن الأهداف التي ضربتها القوات الأميركية والإسرائيلية، فضلاً عما اعترضته من مسيرات وصواريخ إيرانية، وعن الوحدات التي نشرتها. لكن تقييم الوضع على أساس ما يتوفر من المعلومات، يقود إلى ترجيح أن أساليب كل من الجيشين وتقنياتهما قد وصلت إلى مستويات جديدة من الفعالية التكتيكية.
هذا الأداء ينبغي أن يثير قلق خصوم الولايات المتحدة الذين تابعوا تطورات الحرب في إيران. فإطلاق وابل كثيف من الطائرات المسيّرة بعيدة المدى والصواريخ الباليستية يُعد أداة هجومية مفضلة لدى الصين وكوريا الشمالية وروسيا، وتُستخدم عادة لقصف القواعد والمقار العسكرية، وإغراق الأساطيل، وتسوية البنية التحتية المدنية بالأرض. وفي حال أقدم أحد خصوم واشنطن على شن حرب عدوانية في آسيا أو أوروبا، فستقوم خطته على توجيه ضربات تهدف إلى شلّ القوات العسكرية الأميركية وقوات حلفائها، مع توقع تكبيد المدنيين خسائر فادحة، ثم استخدام هذا الغطاء بغية تنفيذ أهدافه الحربية. إن نجاح أنظمة الدفاع الصاروخي الغربية المتطورة في التصدي للضربات الإيرانية يدعو إلى التشكيك في جدوى مثل هذه الخطة. إن الصواريخ الباليستية والمسيرات التي اعتقدت العديد من الدول أنها الأسلحة الهجومية الحاسمة، قد لا تكون كذلك. وربما تبقى فعالة في حملة استنزاف وإكراه، إلا أن هذه سوف تكون عملية بطيئة لا طريقاً يفضي إلى إحراز نصر سريع.
تتجلى تداعيات ذلك بشكلٍ بالغ الأهمية في حال اندلاع حرب محتملة مع الصين. ولقد توقع محللو الدفاع الأميركيون حتى الآن أن بإمكان الصين أن تستخدم الضربات بعيدة المدى بغرض إضعاف العمليات الجوية والبحرية الأميركية بشكل كبير في صراع قد ينشب حول تايوان. بيد أن مسار الحرب في الشرق الأوسط يشير إلى ضرورة إجراء تقييم جديد لهذا الافتراض الأساسي. ربما تتمكن الولايات المتحدة من القيام بعمليات ضد الصين تكون أكثر فعالية مما كان يعتقد المحللون في السابق، وقد يوفر هذا الاحتمال للصين مبرراً وجيهاً للامتناع عن البدء بعدوان عسكري لبعض الوقت.
أفضل من المتوقع
ولسنوات، توقعت المؤسسة العسكرية الأميركية أن تكون أي حرب مع إيران باهظة الكلفة. فحتى مطلع عام 2026، كانت إيران تمتلك ترسانة كبيرة تضم أكثر من 2500 صاروخ باليستي، إضافة إلى آلاف المسيّرات الهجومية الانتحارية، من بينها طائرات “شاهد” التي طورتها محلياً، والقادرة على بلوغ دول الخليج وإسرائيل والقواعد الأميركية في الشرق الأوسط. وكان يُفترض أن تتسبب هذه الصواريخ والمسيّرات، في حال اندلاع حرب، بأضرار واسعة النطاق. وكان الجنرال فرانك ماكنزي، الذي شغل منصب قائد القيادة المركزية الأميركية من عام 2019 إلى عام 2022، قد حذر في مذكراته من أن حجم الضربات الإيرانية “سوف يطغى على الدفاعات الجوية والصاروخية وستصل إلى أهدافها”، الأمر الذي سيؤدي إلى سقوط “عدة آلاف من الضحايا، العسكريين والمدنيين على حد سواء”. كما توقع أن تُشلّ القواعد الجوية والبحرية الأميركية القريبة من الخليج، وأن تُدمّر البنى التحتية للنفط والطاقة الخاصة بدول الخليج، وأن تتمكن إيران من إغلاق مضيق هرمز عبر الألغام والصواريخ المضادة للسفن التي تُطلقها من سواحلها.
نجحت إيران في إغلاق المضيق، غير أن حملتها الصاروخية كانت في مستوى أدنى بكثير مما كان متوقعاً. وأفادت “هيئة الإذاعة البريطانية” (بي بي سي) أن إيران أطلقت، خلال الأيام الخمسة الأولى من الحرب، 550 صاروخاً باليستياً و1500 مسيرة على أهداف في الخليج، و128 صاروخاً باليستياً فضلاً عن 1100 مسيرة على إسرائيل. وبفضل الدفاعات الجوية الأميركية وتلك التي تعود لحلفائها، لم ينجح سوى عدد ضئيل للغاية منها في الوصول إلى أهدافه. وبحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”، اعترضت القوات الأميركية والخليجية 400 صاروخ إيراني و1000 مسيرة إيرانية جرى إطلاقها كلها فقط يومي 28 فبراير و1 مارس. وأطلقت إيران 262 صاروخاً باليستياً و1475 طائرة مسيرة على الإمارات العربية المتحدة في الأيام الـ10 الأولى من الحرب، لم يُصبْ أي منها هدفه سوى صاروخين و90 مسيرة. ومن بين أكثر من 290 صاروخاً و500 مسيرة أطلقتها إيران ضد إسرائيل حتى 15 مارس، لم تُسجل إصابة أي هدف عسكري ذي أهمية. وفي أعقاب 15 مارس، اخترقت بعض الصواريخ والمسيّرات الدفاعات الجوية الإسرائيلية وضربت مناطق آهلة بالمدنيين، وأصاب أحدها البلدة القديمة في القدس. وبحلول 3 أبريل، تم قتل أو جرح ما لا يقل عن 250 إسرائيلياً، وتكررت التحذيرات من الغارات الجوية. ومع ذلك، فقد ظل الضرر الإجمالي منخفضاً نسبياً.
شنت إيران هجمات بالصواريخ والمسيرات ضد ما لا يقل عن 17 قاعدة ومنشأة عسكرية أميركية في منطقة الخليج. وكانت التداعيات الاقتصادية الناجمة عن ذلك هي الأسوأ. فقد ألحقت الصواريخ والطائرات المسيرة القليلة التي تسللت من خلال الدفاعات الجوية دماراً كبيراً بالمطارات والبنية التحتية للطاقة.
وعلى الرغم أن أزمة الطاقة الناتجة عن تلك الهجمات كانت لها تكلفتها بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها، فإن قيمة هذا الضرر تتضاءل لدى مقارنته بما توقعه معظم الخبراء. فعلى سبيل المثال، لم تتسبب إيران في مقتل آلاف العسكريين والمدنيين أو تدمير كل مصافي النفط في المنطقة. كما أن قدرة واشنطن على بسط نفوذها لم تتعرض للتقليص. ولا تزال القواعد الأميركية في الخليج العربي تعمل. لم تكن الأضرار الناجمة عن الصواريخ الإيرانية جسيمة إلى حد كاف يسمح لها بعرقلة العمليات الجوية وإجبار الجيش الأميركي على الاعتماد على حاملات الطائرات أو القواعد البعيدة أو القاذفات العابرة للقارات. قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، أفاد البنتاغون بأن مئات الطلعات الجوية الأميركية والإسرائيلية كانت تُنفذ يومياً من قواعد برية وحاملات طائرات لضرب أهداف عسكرية أو صناعية داخل إيران.
قد لا ترقى الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى مستوى السلاح الهجومي الحاسم الذي اعتقده كثيرون
في الوقت نفسه، حققت الولايات المتحدة وإسرائيل إنجازات تستحق الثناء من خلال ضرباتهما على قيادة إيران ومواقع صواريخها الباليستية. وصرح الجيش الإسرائيلي بأنه قد قتل 40 شخصية عسكرية بارزة في الدقيقة الأولى من هجومه في 28 فبراير، من بينهم قادة الحرس الثوري الإسلامي، ورئيس أركان الجيش الإيراني، ووزير الدفاع الإيراني السابق. كما قُتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في منزله. وتسببت غارات إسرائيلية تم شنها خلال الأسابيع التالية في مصرع وزير المخابرات الإيراني، وقائد ميليشيا الباسيج، والأمين العام لمجلس الأمن القومي المؤثر علي لاريجاني. إن استهداف قيادة الخصم ليس بالأمر الجديد في عالم الحروب، ولكنه نادراً ما كان بهذا الشمول، هذا إن حصل. ويُعتبر ضرب الأفراد من مسافات بعيدة من الجو تحدياً في غاية الصعوبة. وقد برعت قوات العمليات الخاصة الأميركية في القيام بعمليات القتل المستهدف هذه خلال الحرب على الإرهاب. ولكن حتى الحالات النموذجية، كتلك التي استهدفت أبو مصعب الزرقاوي، زعيم تنظيم القاعدة في العراق، في عام 2006، وأبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم “داعش” عام 2019، تطلبت عمليات القتل حملات استمرت على امتداد سنوات. وفي الحرب الحالية، قضت الولايات المتحدة وإسرائيل على معظم أعضاء القيادة العليا لخصمهما في البداية.
كما تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من تصيد منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية بنجاح. وزعمت الدولتان في مارس القيام بتدمير أو تعطيل ما يقارب 50 إلى 80 في المئة من منصات الإطلاق الإيرانية التي يُقدر عددها بـ400 منصة أو نحو ذلك. إن مهاجمة منصات إطلاق الصواريخ الباليستية هو الهدف الأسمى في الحروب الحديثة، إذ إن تكلفة ضرب الصاروخ أو منصته على الأرض أقل بكثير من تلك التي يتطلبها الدفاع ضد صاروخ قادم، كما أن تدمير منصات العدو يحدّ من وتيرة هجماته الصاروخية وحجمها. وعادة ما تكون هذه المهمة بالغة الصعوبة نظراً إلى أن منصات الإطلاق متحركة. غير أن الولايات المتحدة وإسرائيل، من خلال تحييد هذا العدد الكبير منها، تجاوزتا التوقعات.
إن نجاحهما سواء في تحييد قادة القوات الإيرانية، أو في استهداف منصات إطلاق الصواريخ الباليستية، يُعزى جزئياً إلى ما تتمتع به إسرائيل من قدرات ممتازة في المجالات التقنية والمصادر الاستخباراتية البشرية. فقد دأبت إسرائيل على جمع المعلومات الاستخباراتية عن إيران منذ عقود، وهي فترة كافية لمتابعة قادتها عن كثب ومعرفة مواقع الأهداف العسكرية الحساسة. في هذه الأثناء، قام الجيش الأميركي، على مدى عشرين عاماً من الحرب في أفغانستان والعراق، بتطوير عملية جمع المعلومات الاستخباراتية، وتحديد الأهداف، وتتبعها، ثم ضربها. وقد شهدت عمليات المراقبة التي تقوم بها الطائرات المسيرة والأقمار الصناعية الأميركية والإسرائيلية تحسناً مطرداً، وصار من الممكن للولايات المتحدة الآن أن ترصد أي جزء من ساحة المعركة في كل الأوقات. وعلى الرغم من أن الحكومة الأميركية لم تكشف عن تفاصيل، فقد ذكرت مجلة “إيكونومست” أن كلاً من الجيشين قد استعمل أدوات الذكاء الاصطناعي بغرض المساعدة في فرز البيانات والعثور على الأهداف العسكرية، وتصميم الضربات ضدها بطرق تزيد من فرص نجاح هذه الضربات.
إن هذا النجاح التكتيكي في إيران ليس حدثاً عابراً يحصل مرة واحدة. وإن الحرب الحالية هي المناسبة الرابعة خلال عامين التي تتصدى فيها الدفاعات الجوية الأميركية والإسرائيلية لهجمات من إيران، وذلك بعد تعرضها لوابل من صواريخهما في أبريل وأكتوبر (تشرين الأول) 2024، ولحرب الأيام الاثني عشر في يونيو (حزيران) 2025. كما قضت إسرائيل على الطبقة العليا من قيادة كل من “حماس” و”حزب الله” بين عامي 2023 و2025، وقتلت العشرات من كبار القادة العسكريين والعلماء الإيرانيين في حرب الأيام الاثني عشر. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، حددت الولايات المتحدة موقع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واحتجزته في عملية خاصة خاطفة.
ثمة تحد جوهري واحد لم تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من تجاوزه، يتمثل في منع إيران من استخدام الصواريخ المضادة للسفن والمسيّرات والألغام لإغلاق مضيق هرمز. وعلى المنوال ذاته، واجه الطرفان صعوبات مماثلة خلال السنوات الماضية في وقف هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر. فحتى أكثر الجيوش تطوراً تجد مشقة بالغة في رصد الصواريخ والمسيّرات المضادة للسفن وتحييدها قبل إطلاقها. ومن المرجح أن تستمر هذه الصعوبة، نظراً إلى صِغر حجم هذه الأسلحة وقدرتها العالية على الحركة. صحيح أن أنشطة المراقبة والضربات الجوية يمكن أن تقلّص هذا الهامش من التفوق، غير أن الاقتراب بالسفن من سواحل دولة معادية يظل، في المجمل، مخاطرة كبيرة.
عامل يغير قواعد اللعبة
يُؤثر أداء إيران في هذه الحرب تأثيراً مباشر على الطريقة التي ستعتمدها الصين في حرب محتملة في آسيا. وعلى الأغلب أن الصين سوف تعتمد، على غرار إيران، على أسلحة هجومية دقيقة بعيدة المدى في بداية أي صراع من هذا النوع. ومنذ منتصف العقد الثاني من الألفية، دأب محللو الدفاع في الولايات المتحدة على إعداد دراسات متتالية وإجراء عمليات محاكاة حربية لا حصر لها بغية النظر في كيفية وصول حرب محتملة على تايوان إلى نهايتها. وخلصت الغالبية الساحقة من هذه التقديرات إلى أن الصين ستلجأ إلى الصواريخ الباليستية والمجنّحة وفائقة السرعة لقصف تايوان والقواعد الأميركية في اليابان والفيليبين. ويغلب الظن أن بكين سوف تقوم بحملة جوية واسعة النطاق لضرب تايوان، إضافة إلى استعمال ألف صاروخ باليستي وصاروخ كروز أو أكثر، بحسب الطراز والسيناريو، وذلك لإمطار القواعد الأميركية وإغراق سفن البحرية الأميركية أو إبعادها عن السواحل الصينية. ويتوقع المحللون في أغلب الأحيان حدوث دمار شامل، الأمر الذي سيحول دون تنفيذ عمليات جوية وبحرية من قبل الولايات المتحدة قرب تايوان. وقد أجرى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية محاكاة حربية 24 مرة عام 2022، ووجد في نهايتها أن الولايات المتحدة واليابان “خسرت عشرات السفن، ومئات الطائرات، وآلاف الجنود”، وهي خسائر “ألحقت الضرر بمكانة الولايات المتحدة العالمية لسنوات عديدة”.
إن الحرب في إيران تُظهر أن لدى الولايات المتحدة وحلفائها الآسيويين نقاط ضعف. ففي حرب على تايوان، على سبيل المثال، قد تحذو الصين حذو إسرائيل والولايات المتحدة، وتحاول القضاء على أعضاء الصف الأول في القيادة السياسية والعسكرية التايوانية من خلال ضربات مباشرة أو عمليات سرية. ويُشاع أن بكين تحظى بدعم العديد من الأنصار في تايوان ومناطق أخرى في الإقليم. ولا يُستبعد أن يكون عملاؤها في وضع يسمح لهم بتحديد أمكنة القادة الأساسيين وتتبعهم. لذا، فإن تعزيز الأمن العملياتي ومكافحة التجسس لدى كل من تايوان والولايات المتحدة ضروري لإحباط هذه الأنشطة.
علاوة على ذلك، فإن صواريخ الصين ودفاعاتها الجوية أكثر فاعلية من نظيرتها الإيرانية بكثير. تفيد التقارير بأن في حوزة بكين نماذج أولية لصواريخ فرط صوتية سريعة، وذات قدرة عالية على المناورة، مما يجعل اعتراضها صعباً. وتتمتع هذه الصواريخ أيضاً على الأغلب بقدرة أفضل على تحديد الأهداف الحيوية، بما في ذلك الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي والسفن أثناء تحركها. والأهم من ذلك، أدت الحرب مع إيران إلى استنزاف مخزون الولايات المتحدة من الصواريخ الاعتراضية، مما يفرض على واشنطن تعويض المخزون في أسرع وقت ممكن. وإلا، ستكون القوات الأميركية أكثر ضعفاً أمام الهجمات الصينية مقارنة بما كانت عليه في السابق أمام الهجمات الإيرانية.
النجاح التكتيكي في إيران ليس حدثاً عابراً يحصل مرة واحدة
لكن في المحصلة، يضع نجاح واشنطن موضع تساؤل الافتراضات المتشائمة السائدة بشأن تايوان، لا سيما في ضوء العدد المحدود من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي تمكنت من اختراق الدفاعات الأميركية ودفاعات الحلفاء. لم يكن وابل الصواريخ الإيرانية ضئيلاً بأي حال من الأحوال، إذ إنها أطلقت نحو 850 صاروخاً باليستيا ومجنحاً (كروز) بحلول منتصف مارس، وهو حجم كاف بالتأكيد لفرض إعادة تقييم لعدد الصواريخ الصينية التي يمكن للدفاعات الأميركية وحليفتها اعتراضها. وقد يؤدي أي تراجع طفيف في فعالية الضربات الصينية إلى إحداث تأثير كبير إذا لم يفضِ إلى إخراج بعض القواعد الأميركية وعدد كبير من السفن من الخدمة.
وتميل المحاكاة الحربية إلى افتراض أن الدفاعات الجوية الأميركية والحليفة لها، تستطيع إسقاط ما بين 75 و91 في المئة من الصواريخ القادمة ، قبل أن يتم استنفاد الصواريخ الاعتراضية أو تدميرها من قبل العدو. إلا أن الحرب مع إيران تشير إلى أن هذه الأرقام قد تكون منخفضة جداً. ويبدو أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد اعترضت 99 في المئة من كل الصواريخ الواردة، وأنها أبلت بلاء حسناً ضد المسيرات أيضاً، من غير أن تستنفذ الصواريخ الاعتراضية الخاصة بها. وإذا أثبتت دفاعات الولايات المتحدة وحلفائها مرة أخرى، في حرب ضد الصين، أن كفاءتها تفوق التوقعات (شرط أن تعمد واشنطن إلى إعادة تعبئة مخزونها بصورة كافية)، فقد تتعرض القواعد في غرب المحيط الهادئ لقصف صيني، ما يُمكن العمليات الجوية والبحرية الأميركية من إضعاف القوات الصينية في حال حدوث غزو لتايوان. قد لا يكون الجيش الأميركي قادراً حتى الآن على إحباط غزو صيني، ولكن إذا كانت الصين تتوقع تكبدها خسائر أكبر، فقد تغير حساباتها بسبب ذلك.
وربما يكون لدى الصين أيضاً سبب للقلق حول سلامة منصات إطلاق صواريخها الباليستية وقادتها العسكريين، وذلك بحسب فعالية دفاعاتها الجوية. إذا كانت هذه الدفاعات تُضاهي القدرات الأميركية والإسرائيلية التي ظهرت بوضوح على مدى الأسابيع القليلة الماضية، فسيكون هناك مبرر أقل للقلق، إذ لن تتمكن الولايات المتحدة من شن هجمات استباقية للقضاء على كبار القادة أو مطاردة الصواريخ الباليستية وغيرها من الأهداف المتحركة إذا نشبت حرب. أما إذا كانت قدرات الصين أضعف بكثير، وهو أمر غير مرجح، لكن الصين لا تستطيع استبعاده، فإن منصات إطلاق صواريخها على الأرض، بل وحتى قيادتها العسكرية، ستكون عرضة للخطر.
يجب أن تؤثر هذه التكلفة المرتقبة على حسابات الصين الاستراتيجية، وخصوصاً إذا أعادت القوات الأميركية الموجودة حالياً في الشرق الأوسط انتشارها سريعاً إلى آسيا في نهاية الحرب الحالية. وقد يقرر الزعيم الصيني شي جينبينغ أن يؤجل العدوان حتى يستطيع جيشه أن يبني ما يكفي من صواريخ باليستية وصواريخ فرط صوتية ومسيرات للتغلب على دفاعات الولايات المتحدة وحلفائها الأميركية التي أثبتت أنها أفضل مما كان متوقعاً. كما أن الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الحرب في إيران قد تدفع شي جينبينغ إلى التريث. فالحرب في آسيا ستقود إلى توقف التجارة وشل صناعة أشباه الموصلات في تايوان، الأمر الذي سيضر بالاقتصادين الأميركي والصيني على حد سواء. ولدى أخذ هذه العواقب غير المرغوب فيها والصعوبة المتزايدة للحملة العسكرية في الاعتبار، قد يركز الزعيم الصيني بدلاً من ذلك على وسائل أخرى لتحقيق “إعادة التوحيد” مع تايوان، مثل الدبلوماسية، والإكراه والحوافز الاقتصادية، والتخريب السياسي.
آن الأوان لإعادة النظر
خلال الأعوام الأربعة الماضية، أحدثت الطائرات المسيّرة بالرؤية المباشرة ثورة في تكتيكات وحدات المشاة الصغيرة في أوكرانيا، في حين قوضت الزوارق المسيّرة هيمنة الأساطيل التقليدية في البحر الأسود. وتوحي هذه النجاحات أن الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة الهجومية الانتحارية يمكن أن تستخدم في النزاعات المستقبلية لشل قدرة الجيوش الأميركية والحليفة على القتال، والتسبب بحصول دمار اقتصادي وبشري هائل. غير أن نجاح أنظمة الدفاع الصاروخي، إلى جانب الضربات التي استهدفت شلّ مراكز القيادة الإيرانية في الحد من تهديدات الصواريخ والمسيّرات، يشير إلى أن مخاطر مثل هذه الحملات الهجومية قد جرى المبالغة في تقديرها. فبدلاً من تمكين الخصم من محو قواعد عسكرية كاملة وتحييد القوات الأميركية وقوات حلفائها، قد تعمل الضربات الصاروخية والمسيّرة على نحو أقرب إلى حملات القصف التقليدية، أي إلحاق أضرار تدريجية بأهداف رئيسة مع مرور الوقت. ويمكن التخفيف من آثار هذه الحملات عبر استثمارات دفاعية، بحيث تظل قدرة الولايات المتحدة على إسقاط القوة إلى الخارج أقل تأثراً مما يُتصوَّر.
إن أي تقييم لتداعيات الحرب مع إيران بعد ستة أسابيع فقط من اندلاعها هو تقييم أولي. بيد أن النجاحات التكتيكية الأميركية والإسرائيلية حتى الآن ينبغي أن تحفز واشنطن على إعادة النظر في تفكيرها العملياتي والاستراتيجي. إن دمج معايير الأداء الواقعية، مثل معدلات إصابة الصواريخ الاعتراضية وإنفاقها، المستقاة من الحرب في إيران، في العمليات الأميركية لإنشاء النماذج ومحاكاة الحروب وحساباتها الكمية، من شأنه أن يغير النتائج المنتظرة في أي صراع محتمل مع الصين، وهو ما قد يساعد الجيش الأميركي على تحسين خططه العملياتية.
إضافة إلى ذلك، يجب أن يكون استعراض القدرات الأميركية في إيران بمثابة تحذير لأعداء الولايات المتحدة. بل قد يكون هذا الاستعراض كافياً لردع الصين، وهي أخطر هؤلاء الأعداء. وإذا ما حدث ذلك – أي إذا أعادت بكين النظر في نزعتها إلى استخدام القوة، وعمدت واشنطن في المقابل إلى معالجة مكامن الضعف المتبقية لها في آسيا – فإن الحرب الحالية قد تمخضت عن بعض النتائج الإيجابية. فقد تُسهم هذه المخرجات في الحفاظ على السلام في آسيا في السنوات القادمة.
كارتر مالكسيان هو أستاذ مشارك في الاستراتيجية والسياسة في كلية الحرب الوطنية الأميركية، ومؤلف كتاب “الحرب الأميركية في أفغانستان: تاريخ”. الآراء الواردة هنا هي آراؤه الشخصية.







