حرية
أعاد وصول دفعة جديدة من الدولار النقدي الأمريكي إلى العراق، بقيمة 500 مليون دولار، طرح السؤال الأهم في المشهد الاقتصادي الراهن: هل تستطيع هذه الأموال تخفيف أزمة السيولة وفتح الطريق أمام صرف الرواتب المتأخرة، أم أن المشكلة أعمق من مجرد نقص في النقد الأجنبي؟
وبحسب المعطيات الواردة، رفع وصول الدفعة الأخيرة إجمالي الشحنات النقدية المستلمة مؤخراً إلى مليار دولار، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الاجتماعية بسبب تأخر رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية، وسط احتجاجات شهدتها جامعات عراقية عدة للمطالبة بحسم الأزمة.
لكن المفارقة الأساسية تكمن في أن هذه الأموال ليست مخصصة لتمويل الرواتب الحكومية مباشرة، وإنما لتغطية احتياجات نقدية مرتبطة بالمسافرين والحوالات الخارجية ونفقات العلاج والدراسة خارج العراق، بإشراف البنك المركزي.
وهذا يعني أن الربط بين وصول الدولار الأمريكي وبين إمكانية دفع الرواتب يحتاج إلى قدر من الحذر؛ فالدفعة قد تساعد في تحسين السيولة النقدية داخل السوق وتقليل بعض الضغوط على سعر الصرف، لكنها لا توفر للخزانة العراقية تلقائياً 500 مليون دولار إضافية يمكن تحويلها إلى رواتب.
أزمة الرواتب ليست أزمة دولار فقط
تبدو المشكلة العراقية في جوهرها مرتبطة بتدفق الإيرادات الحكومية، ولا سيما الإيرادات النفطية، أكثر من ارتباطها بوجود أو غياب شحنة نقدية من الدولار.
فالدولة العراقية تعتمد بدرجة كبيرة على النفط لتمويل الإنفاق العام، فيما تحتاج شهرياً إلى مليارات الدولارات لتغطية رواتب الموظفين والمتقاعدين وشبكات الرعاية الاجتماعية، فضلاً عن النفقات التشغيلية والخدمات والمشاريع.
وبالتالي، فإن وصول مليار دولار نقداً لا يعني أن العراق أصبح يمتلك مليار دولار إضافية لتمويل الموازنة، لأن طبيعة هذه الأموال واستخداماتها مختلفة.
وهنا تكمن خطورة الأزمة: إذا استمرت الإيرادات النفطية بالتراجع، فإن أي انفراج نقدي مؤقت لن يعالج الاختلال المالي الذي يقف خلف تأخر الرواتب.
واشنطن تعيد الدولار إلى بغداد.. ولكن بشروط
استئناف شحنات الدولار بعد توقف استمر أشهراً لا يمثل مجرد إجراء مصرفي، بل يعكس أيضاً طبيعة العلاقة المالية الحساسة بين بغداد وواشنطن.
فالولايات المتحدة تنظر إلى حركة الدولار العراقي باعتبارها جزءاً من منظومة أوسع تتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الجهات المسلحة والحد من تهريب العملة إلى الدول الخاضعة للعقوبات.
ومن هنا جاءت الإجراءات المرتبطة بتشديد الرقابة على الحوالات الخارجية، ورفع مستوى الامتثال المصرفي، وإعادة تأهيل عدد من المصارف العراقية تدريجياً للتعامل مع النظام المالي الدولي.
وهذا يجعل عودة الشحنات انفراجاً مشروطاً أكثر من كونها حلاً نهائياً.
هل تستطيع الدفعة تهدئة الشارع؟
قد يكون تأثير الشحنة غير مباشر لكنه مهم.
زيادة النقد المتاح للأفراد والمسافرين والحوالات الخارجية يمكن أن تخفف بعض الاختناقات في السوق، وقد تساعد على الحد من المضاربة والضغط على سعر الدولار في السوق الموازية.
لكن ذلك لن يكون كافياً لتهدئة الاحتجاجات إذا بقيت الرواتب متأخرة.
فالاحتجاجات الحالية لا تعكس مشكلة في توفر الدولار لدى البنك المركزي فقط، وإنما تعكس قلقاً أوسع بشأن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية في ظل تراجع الإيرادات وارتفاع حجم الإنفاق الثابت.
وبمعنى آخر، المواطن الذي ينتظر راتبه لا يعنيه كثيراً أن البنك المركزي تلقى شحنة دولار إذا لم تتحول هذه السيولة إلى قدرة فعلية لدى الحكومة على دفع مستحقاته.
المعضلة الحقيقية: ماذا بعد النفط؟
تكشف الأزمة الحالية هشاشة النموذج المالي العراقي، حيث يمكن لاضطراب في صادرات النفط أو حركة الملاحة أن ينتقل سريعاً من قطاع الطاقة إلى الخزانة العامة، ثم إلى الرواتب والخدمات والسوق المحلية.
ولهذا فإن المعالجة الحقيقية لا يمكن أن تقتصر على الاقتراض أو استخدام الاحتياطيات أو انتظار عودة أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة.
العراق يحتاج إلى إعادة ترتيب هيكل الإنفاق، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وإصلاح النظام المصرفي والضريبي والجمركي، وتقليص الاقتصاد النقدي، وتحويل جزء أكبر من النشاط الاقتصادي إلى قنوات مصرفية ورقمية يمكن مراقبتها.
كما أن تنويع منافذ تصدير النفط وتوفير بدائل للنقل والتصدير أصبح مسألة مالية وليست مجرد قضية لوجستية، لأن أي انقطاع في منفذ رئيس للصادرات يتحول مباشرة إلى أزمة في إيرادات الدولة.
دفعة الـ500 مليون دولار قد تمنح السوق العراقية جرعة سيولة مؤقتة، لكنها لا تمثل حلاً لأزمة الرواتب، ولا تعالج أصل المشكلة المالية.
الحل الحقيقي يبدأ من قدرة الحكومة على تأمين تدفق مستدام للإيرادات، خصوصاً النفطية، بالتوازي مع إصلاح المالية العامة وتنويع مصادر الدخل.
لذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية لم يعد: كم دولاراً وصل إلى العراق؟ بل: كم تبلغ الإيرادات التي تدخل الخزينة شهرياً، وكم تحتاج الدولة فعلياً لتغطية رواتبها ونفقاتها الأساسية؟
فإذا بقيت الفجوة بين الرقمين قائمة، فإن كل شحنة دولار جديدة ستبقى علاجاً مؤقتاً لأزمة أكبر، وقد تؤجل الانفجار المالي بدلاً من أن تنهي أسبابه.







