د. هبة السامرائي
هناك حقيقة لا يخبرنا بها أحد ونحن نجلس على مقاعد الدراسة .. وهي أن الحياة لا تسألنا بعد سنوات ماذا درست؟ بقدر ما تسألنا ماذا تستطيع أن تفعل؟
لقد تغيّر العالم بهدوء، لكنه تغيّر جذرياً ..
لم تعد الشهادات وحدها تفتح الأبواب كما كانت تفعل قبل عقود، ولم يعد أصحاب العمل يبحثون فقط عن المعدلات العالية أو أسماء الجامعات المرموقة، بل أصبح السؤال الأول في كثير من المقابلات الوظيفية ما المهارات التي تمتلكها؟ وما القيمة التي تستطيع أن تضيفها؟
وهنا تكمن الرسالة الأهم لكل طالب وطالبة، ولا سيما في المرحلة الثانوية لا تجعل سنوات الدراسة تمر وأنت تجمع الدرجات فقط، بل اجمع معها المهارات، لأن الشهادة قد تمنحك فرصة للدخول، أما المهارة فهي التي تمنحك القدرة على البقاء والتقدم والتميز.
إن المرحلة الثانوية، ثم سنوات العشرينيات، ليست مجرد محطة للحصول على شهادة جامعية، بل هي أخطر مرحلة في بناء الإنسان نفسه. ففيها تتشكل الشخصية، وتُكتسب العادات، ويُبنى التفكير، وتُصقل القدرات ..
وما بعد الثلاثين، في الغالب، يصبح مرحلة توظيف ما بني سابقاً وجني ثماره ..
فكما أن المزارع لا ينتظر موسم الحصاد ليزرع بذوره، كذلك الإنسان لا ينبغي أن ينتظر التخرج ليبدأ ببناء نفسه.
إن العالم اليوم يشهد ثورة غير مسبوقة في التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والعمل عن بُعد، وريادة الأعمال، والاقتصاد المعرفي. ولذلك أصبحت المهارات عملة المستقبل، بل إن كثيراً من الوظائف الحديثة لا تسأل عن عدد سنوات الدراسة بقدر ما تبحث عن شخص قادر على حل المشكلات، والتعلم السريع، والتكيف مع المتغيرات.
ولعل أهم المهارات التي ينبغي لكل شاب وفتاة أن يبدأوا ببنائها منذ المرحلة الثانوية هي …
● مهارات التواصل الفعّال .. لأن الأفكار العظيمة لا قيمة لها إذا عجز صاحبها عن إيصالها.
● مهارات التفاوض والإقناع .. فهي لا تُستخدم في التجارة فقط، بل في العمل، والإدارة، والحياة اليومية، وحتى في بناء العلاقات الإنسانية.
● مهارات الحاسوب والتقنيات الرقمية، فلم يعد الإلمام باستخدام الحاسوب ميزة إضافية، بل أصبح من أساسيات أي وظيفة تقريباً.
● إتقان اللغة الإنجليزية .. لأنها لغة المعرفة والبحث والتكنولوجيا، وتفتح أبواباً واسعة للتعلم والعمل.
● مهارات الذكاء الاصطناعي واستخدام أدواته .. فالمستقبل لن يكون لمن يخشى هذه التقنيات، بل لمن يعرف كيف يوظفها في عمله وإبداعه.
● إدارة الوقت وتنظيم الأولويات .. لأن النجاح لا يعتمد على كثرة الساعات، وإنما على حسن استثمارها.
● حل المشكلات والتفكير النقدي .. فالأسواق تبحث عن أشخاص يقدمون حلولاً، لا عن أشخاص يكتفون بعرض المشكلات.
● العمل ضمن فريق .. لأن معظم الإنجازات الكبرى لم يصنعها فرد واحد، بل فرق عمل متكاملة.
● القيادة وتحمل المسؤولية .. فالقائد لا يولد قائداً، وإنما يُصنع بالممارسة والتجربة.
● التحدث أمام الجمهور والعرض والتقديم .. فالثقة بالنفس أصبحت مهارة مهنية لا تقل أهمية عن أي شهادة.
● الذكاء العاطفي .. وهو القدرة على فهم الذات وإدارة المشاعر والتعامل الراقي مع الآخرين، وهي مهارة أصبحت كثير من المؤسسات تعدّها عنصراً أساسياً في التوظيف.
ومن المهم أيضاً أن يخوض الشباب تجارب تطوعية، ويشاركوا في الدورات التدريبية، والأنشطة المدرسية، والمسابقات، والمبادرات المجتمعية، والعمل الصيفي، لأنها جميعاً تصنع خبرة حقيقية لا يمكن أن تمنحها الكتب وحدها. فالخبرة ليست عدد سنوات العمر، وإنما عدد المواقف التي تعلم منها الإنسان.
إن كثيرًاً من الشباب يؤجل تطوير نفسه إلى ما بعد التخرج، وكأن التخرج هو نقطة البداية، بينما الحقيقة أنه ينبغي أن يكون نقطة الانطلاق، لا نقطة الاستعداد…
فمن يبدأ مبكراً يصل مبكراً، ومن يؤجل بناء نفسه، سيجد نفسه ينافس من كانوا يستثمرون سنواتهم بينما كان ينتظر اللحظة المناسبة.
وليس المقصود من هذا كله التقليل من قيمة الشهادة الجامعية فهي ما تزال ركيزة أساسية في كثير من المهن والتخصصات، ولا يمكن الاستغناء عنها في مجالات عديدة كالطب والهندسة والقانون والتعليم وغيرها. لكن الشهادة وحدها لم تعد كافية، كما أن المهارة وحدها ليست كافية في كل المجالات. إن النجاح الحقيقي اليوم يقوم على معادلة متوازنة علم يمنحك الأساس، ومهارة تمنحك التميز، وأخلاق تحفظ لك النجاح.
وأخيراً، تذكروا دائماً أن الإنسان لا يصبح قوياً عندما يحصل على شهادته، بل عندما يصبح قادراً على التعلم المستمر. فالشهادة قد تنتهي يوم التخرج، أما المهارة فهي تنمو كلما استخدمتها، وترافقك في كل وظيفة، وكل مشروع، وكل مرحلة من حياتك.
فإذا كنت اليوم في المرحلة الثانوية، أو في بداية العشرينيات من عمرك، فلا تقل ما الذي سأدرسه فقط؟ بل اسأل نفسك كل يوم سؤالا واحداً .. أي مهارة جديدة سأضيفها إلى نفسي؟ لأن المستقبل، في نهاية المطاف، لن يكون لمن يحمل أكثر الأوراق، بل لمن يحمل أكثر القدرات..







