حرية
لا تبدو زيارة السفير التركي لدى بغداد أنيل بورا إينان إلى كركوك مجرد محطة دبلوماسية لبحث فرص الاستثمار، فالمحافظة التي تختزن ثروة نفطية وغازية كبيرة تقع اليوم عند تقاطع المصالح الاقتصادية العراقية والتركية، في وقت تتجه فيه بغداد وأنقرة إلى توسيع شراكتهما في الطاقة والنقل والتجارة، وسط أسئلة تتعلق بكيفية إدارة هذه الفرص وضمان انعكاسها على الاقتصاد العراقي.
ووصل إينان، الأربعاء، إلى كركوك برفقة وفد من مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي (DEİK)، حيث استقبله محافظ كركوك ووزير الدولة محمد سمعان آغا، والنائب الأول للمحافظ ريبوار طه.
وبحث الجانبان ملفات النفط والغاز وفرص دخول الشركات التركية إلى القطاعين، إلى جانب آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري.
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية لأنها تأتي بعد خطوات عملية اتخذتها أنقرة لتعزيز حضورها في قطاع الطاقة العراقي، إذ أعلنت تركيا في تموز 2026 دخول شركة النفط التركية الحكومية (TPAO) شريكاً في مشروع تطوير حقول كركوك الذي تقوده شركة بريتيش بتروليوم (BP)، بحصة تبلغ 15 بالمئة، إلى جانب الشركتين المشاركتين في المشروع.
ويشمل نطاق العمل حقولاً ومكامن رئيسة في كركوك ومحيطها، بينها بابا وآفانا وباي حسن وجمبور وخباز.
وهذا التطور يجعل التحرك التركي في كركوك أبعد من مجرد استكشاف فرص استثمارية جديدة؛ فأنقرة باتت حاضرة بالفعل في مشروع نفطي مهم، فيما تفتح اللقاءات مع الإدارة المحلية المجال أمام بحث فرص أوسع في الطاقة والخدمات والبنى التحتية.
لكن حجم هذا الحضور لا يُقاس بعدد الزيارات أو التصريحات، بل بما ينتج عنها من عقود واضحة، واستثمارات منفذة، وفرص عمل، وزيادة فعلية في الإنتاج والإيرادات العامة.
وتأتي التحركات الأخيرة ضمن مسار أوسع لتطوير العلاقات العراقية التركية.
ففي 22 حزيران الماضي، بحث رئيس الوزراء علي الزيدي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال اتصال هاتفي، صادرات النفط عبر خط كركوك–جيهان، وآليات إيصال النفط العراقي إلى الأسواق الأوروبية، إلى جانب التعاون في الغاز والزراعة والمياه ومشروع طريق التنمية.
كما دعا الزيدي الشركات التركية إلى الاستثمار في العراق.
وفي 28 تموز، خلال زيارة الزيدي إلى أنقرة، برز ملف الطاقة مجدداً، مع إعلان الجانب التركي انتهاء اتفاق خط أنابيب النفط الخام العراقي التركي في اليوم السابق، والتطلع إلى اتفاق شامل جديد للتعاون في مجال الطاقة.
وشهدت الزيارة أيضاً اتفاقاً على دخول شركة النفط التركية شريكاً في مشروع تطوير حقول كركوك.
وفي أيلول، استمرت المباحثات بين البلدين بشأن النفط والغاز، فيما أُنجزت مسودة اتفاق عام لتنفيذ مشاريع البنى التحتية وتطوير قطاع النقل، تمهيداً لاستكمال الموافقات والإجراءات الرسمية.
وتكشف هذه التطورات أن التعاون لا يتحرك عبر ملف منفرد، بل ضمن حزمة متداخلة تشمل الطاقة والنقل والاستثمار والتجارة. <Cite refs={[“turn236077search8″,”turn236077search14”]}/
ويبرز هنا مشروع طريق التنمية، الذي يهدف إلى ربط الموانئ العراقية بتركيا ومنها إلى الأسواق الأوروبية عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية. وتراهن بغداد على أن يتحول العراق إلى ممر تجاري ولوجستي إقليمي، فيما تنظر أنقرة إلى المشروع بوصفه فرصة لتعزيز دورها في حركة النقل والتجارة. غير أن تحويل هذا التصور إلى مكاسب ملموسة يتطلب اتفاقات قابلة للتنفيذ، وتمويلاً واضحاً، وتوزيعاً معلناً للمسؤوليات والمنافع
وتحمل كركوك خصوصية تتجاوز موقعها النفطي؛ فهي محافظة تتداخل فيها ملفات الإدارة المحلية والتمثيل السياسي وتوزيع الموارد، ما يجعل أي توسع استثماري في قطاعها النفطي مرتبطاً أيضاً بقدرة المؤسسات الاتحادية والمحلية على إدارة المشاريع ضمن صلاحيات محددة، ومن دون أن تتحول المنافسة على الاستثمار إلى تنافس سياسي يعرقل التنفيذ أو يثير نزاعات بشأن العوائد والأولويات.
وتقدم تجربة خط كركوك–جيهان مثالاً على مدى تعقيد العلاقة بين النفط والسياسة. فقد توقفت صادرات نفط إقليم كردستان عبر تركيا في آذار 2023، بعد خلافات قانونية تتعلق بآلية التصدير والصلاحيات الاتحادية، أعقبها حكم تحكيم دولي ألزم تركيا بتعويضات لبغداد عن تسهيل صادرات جرت من دون موافقتها.
كما ارتبط استئناف التدفقات لاحقاً بتسوية مسائل تتعلق بكلف الإنتاج والنقل وآلية تسليم النفط إلى شركة تسويق النفط العراقية (سومو).
وتكشف هذه التجربة أن الأنابيب والحقول ليست مجرد أصول اقتصادية؛ فهي ترتبط بالسيادة على قرار التصدير، وتحديد الجهة المخولة ببيع النفط، وتوزيع الإيرادات، والالتزامات القانونية بين الدول والشركات.
لذلك، فإن توسيع التعاون مع الشركات التركية يحتاج إلى ضمانات تعالج هذه المسائل منذ البداية، بدلاً من تركها لتظهر لاحقاً على هيئة نزاعات قانونية أو خلافات سياسية.
الاختبار الحقيقي للاستثمار وفي بلد يعتمد اقتصاده بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، تظل العقود الكبرى ومشاريع الطاقة موضع حاجة إلى رقابة دقيقة، ليس بسبب جنسية المستثمر، بل لأن قيمة الموارد العامة وحجم الأموال المتداولة يفرضان الإفصاح عن شروط التعاقد، وكلف التطوير، والجهات المستفيدة، والالتزامات المالية، وآليات احتساب الأرباح والعوائد.
ولا تتوافر في المعلومات المنشورة عن زيارة السفير إلى كركوك أدلة تثبت وجود فساد أو صفقة سرية مرتبطة بالاجتماع، كما لا يعني التوسع التركي في القطاع النفطي بحد ذاته وجود مؤامرة أو تنازل عن الثروة الوطنية.
لكن غياب التفاصيل بشأن أي اتفاق جديد يجعل من الضروري انتظار ما إذا كانت المباحثات ستتحول إلى عقود معلنة يمكن للجهات الرقابية والرأي العام الاطلاع على شروطها وتقييم نتائجها.
وتشمل الأسئلة التي ينبغي أن تحسمها أي اتفاقات مستقبلية: ما طبيعة المشاريع التي ستدخلها الشركات التركية؟ وهل ستكون عقوداً جديدة أم توسعاً في مشاريع قائمة؟ وما حجم الاستثمار المتوقع، وما الالتزامات المالية والفنية المترتبة على الشركات؟ وكيف ستُضمن المنافسة العادلة ومنع تضارب المصالح؟ هذه الأسئلة ليست اتهامات، بل معايير أساسية للحكم على جدوى الاستثمار ونزاهة إدارته.
أما التنافس بين الدول على الطاقة والنفوذ الاقتصادي، فيمكن قراءته من خلال الاتفاقات المعلنة والمصالح التجارية والاستراتيجية، لا عبر افتراض وجود ترتيبات خفية لا تسندها الأدلة.
وتبقى زيارة إينان إلى كركوك حلقة جديدة في مسار تسعى فيه تركيا إلى توسيع حضور شركاتها في العراق، فيما تبحث بغداد عن استثمارات وخبرات تساعدها على تطوير قطاع الطاقة وتنشيط الاقتصاد.
غير أن نجاح هذا المسار لن يُحسم في غرف الاجتماعات، بل في تفاصيل العقود، ومقدار ما يُنفذ منها، وما تضيفه إلى الإنتاج والإيرادات وفرص العمل، ومدى خضوعها للرقابة والشفافية.
فكركوك لا تحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر حاجتها إلى تحويل ثروتها إلى تنمية قابلة للقياس، وهو ما سيجعل نتائج التعاون العراقي التركي، لا عدد اللقاءات والاتفاقات، المعيار الفعلي للحكم على هذه الشراكة.







