مصطفى الفقي
أثارت الأحداث الأخيرة بطبيعتها المتغيرة والمفاجآت غير المتوقعة منها وما صاحب ذلك من ضبابية الأجواء في المحيط الشرق أوسطية، بل وداخل الدول في غرب آسيا عموماً، وهو أمر يسوقنا إلى ضرورة التفكير وتأمل محنة التنظيم الدولي العربي وقدرته على استيعاب هذه التطورات الجديدة وفهم المتغيرات التي طرحت نفسها بشدة في الأعوام الأخيرة حتى أدرك الجميع أننا مقبلون بالضرورة على أحداث جسام والنبش في أمور مضى عليها قرون عدة استقر فيها الجوار العربي الإيراني وأدرك الجميع أن المشهد الذي نراه هو جزء من حقيقة تاريخية ومشهد جيوسياسي لا يمكن الانفكاك منه أو الالتفاف عليه، إذ إن نزاعات الجيران تحمل في طياتها أخطاراً مركبة تؤدي فيها الجغرافيا والتاريخ دوراً كبيراً وتساؤلاً مكرراً، خصوصاً من أبناء منطقة الخليج العربي بمفهومنا والفارسي بالمسمى الإيراني، فاكتشفنا جميعاً أن ما يحدث الآن هو امتداد لتاريخ عريق وبعد حضاري طويل منذ كنا نتحدث في كتب التاريخ عن العرب والعجم والشراكة التاريخية بينهما، خصوصاً في العصر العباسي، مما أدى إلى ازدهار المعرفة وتألق القدرة لدى البعض على فرض وجودهم على ساحة الشرق الأوسط بما فيها من بيئة عربية حاضنة وملامح فارسية متجذرة، فالواقع أن العلاقات الخارجية الإيرانية كانت في الغالب هادئة بل وفاترة أيضاً لأن دول الخليج العربي تدور بالطبيعة في فلك خاص عاش في ظل مناخ مختلف باعتباره جزءاً من مقوماته حتى انصرف الباحثون والعلماء عن مسؤولية الخطر الجديد والتوغل الزائد في الخريطة السياسية أو المنظومة الفكرية.
لقد علمتنا السنوات الأخيرة أن صورة إيران تبدو مهترئة في نظر كثير من العرب، ولا شك في أن ذلك الشعور موجود لدى كثير من العرب على الجانب الآخر فلا يثق أحد في نظيره ولا توجد حتى الآن قراءة عادلة تحاول أن تنصف الجميع بالدرجة ذاتها، إذ إن المشكلة دائماً هي أن من يرصدون حركة التاريخ يقع معظمهم في إطار الوجود داخل تنظيمات سياسية أيديولوجية، وهنا مكمن الخطورة لأن أدلجة السياسة الخارجية للدول هي نوع من أنواع التدخل غير المنظور، ولعل أكثر الآثار في العلاقات الدولية المعاصرة هي الانعكاس الأيديولوجي على سياسات الدول وعلاقتها بالآخرين، ولعل النموذج السوفياتي في القرن الـ20 هو الأبرز دلالة على صحة ما نقول، فلقد تشكلت الكتلة الشرقية نتيجة التجمع الأيديولوجي للدول التي اعتنقت المذهب الشيوعي في وقتها بحيث تشكل تلقائياً نوع من الاستقطاب في العلاقات الدولية بين المعسكرين الكبيرين الرأسمالي والاشتراكي.
أنا أحد الذين يقولون إن تلوين السياسة الخارجية هو تعبير تلقائي عن دوافع الصراع الدولي المعاصر حتى بعد انتهاء الحرب الباردة، إذ استقر في تفكير الدول والحكومات أن ثنائية الاستقطاب السياسي الخارجي هي علامة عصرية لا يمكن تجاوزها، فالعلاقة على سبيل المثال بين الصين وروسيا الاتحادية لا تزال انعكاساً لتحالف قديم في إطار المعسكر الاشتراكي الذي انتهى بسقوط حائط برلين وذوبان الكتلة السوفياتية وبروز مظاهر جديدة للهيمنة الأميركية المطلقة على امتداد خريطة العالم، وهو ما يذكرنا به أسلوب الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب من بسط النفوذ وامتداد الهيمنة، وإذا انتقلنا من المستوى الدولي إلى المنظور الإقليمي فإننا نؤكد إننا كعرب قد قمنا منذ سنوات الصحوة مع مطلع القرن الـ20 بعملية أيديولوجية لصبغ الحياة السياسية العربية بانقسام أيديولوجي من نوع آخر بين أبناء اليمين الدولي واليسار الوطني بحيث تأثر الأمن القومي العربي بتلك التقسيمات.
وما زلنا نتذكر الاستقطاب المعروف الذي غلبت العاطفة القومية وتحولت هزيمة 1967 إلى مناخ إيجابي للتنقيب في الأمن الجماعي للدول العربية، بخاصة أن صيغة 1945 التي قامت عليها جامعة الدول العربية لم تعد كافية لمواجهة التطورات الدولية التي استجدت على الساحة الإقليمية، فأصبح من المتعين علينا أن ننظر إلى الأمر من زاوية جديدة تعتمد على التطورات التي جدت على مسرح الحياة السياسة وتطور رؤية الدول لدورها في العالم الجديد، وبدت صيغة جامعة الدول العربية محل انتقاد شديد وشعور سلبي بأن دورها قد تجاوزته الأحداث، وأننا في حاجة إلى تنظيم دولي جديد أو في الأقل في حاجة إلى تجديد نظام الأمن الجماعي العربي الذي كرسه ميثاق الجامعة في منتصف الأربعينيات من القرن الـ20 لكي نشهد عالماً جديداً يقوم على أسس مختلفة وتنعكس عليه حقائق جديدة أهمها تنامي حركة التحرر الوطني واستقلال الدول العربية والتوجه العام نحو البحث عن صيغة مختلفة للأمن الجماعي للدول العربية.
ولا بد أن نعترف هنا بأن ظهور مجلس التعاون الخليجي كان هو أبرز العلامات لوجود آفاق مختلفة تسعى إلى توحيد العمل العربي المشترك وتجديد صياغته والارتفاع فوق الخلافات العربية الطارئة، ولا بد أن نشهد هنا بصدق وأمانة أن مجلس التعاون الخليجي قد حقق نجاحات كبيرة لعل أبرزها في الأقل هو عنصر الاستمرارية والبقاء على المسرح منذ بداية عهد الثمانينيات في القرن الماضي حتى الآن.
ولعلي أطرح بعض الملاحظات ونحن نبحث عن مستقبل الأمن القومي العربي وفي ظل تداعيات خطرة تحيط بالمنطقة منذ أن بدأت إيران في ممارسة دور مختلف وتصديرها لأيديولوجية مؤثرة في العالمين العربي والإسلامي مع عداء شديد وفقدان للثقة بين طهران وواشنطن، ما يجعلنا الآن نرقب ما يجري، بخاصة أن الأيام تأتينا بجديد في ظل ظروف بالغة الحساسة شديدة التعقيد، إذ أفرزت الحرب بين إيران في جانب وإسرائيل وأميركا في جانب آخر كماً هائلاً من الحقائق الغائبة عن المشهد وفي مقدمها أن السياسة الخارجية الإيرانية القائمة على تصدير الثورة الإسلامية إلى دول أخرى واستنساخ ساحات مستقلة عن دولها بل وخارجة عن القانون فيها مثلما هو الأمر في نموذج “حزب الله” بلبنان ودوره في ترجمة السياسة الإيرانية إلى واقع جديد على الساحتين اللبنانية والفلسطينية، ولعل معاناة الشعب اللبناني هي انعكاس مباشر بهذه الحقائق.
ويجب أن نتذكر في النهاية أن مأساة الشعب الفلسطيني وبروز الدور الإسرائيلي كما نشهد حالياً هما انعكاس لجريمة استمرار الاحتلال بحيث تبدو إسرائيل وإيران على رغم الخلاف الواسع بينهما عقائدياً وسياسياً فإنهما تعبران عن نظرة مختلفة تجاه العرب ونظريات الأمن الجماعي التي يحاولون ترسيخها في المنطقة، وإسرائيل لاعب خطر يحرك بعض الأوراق بما فيها الورقة الإيرانية بنتائجها التي تجلت بوضوح في المواجهة العسكرية بين إيران في جانب والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في جانب آخر، ثم مفاجأة العدوان الإيراني على دول الخليج دون مبرر معروف أو مقدمات ملموسة وكأن طهران تريد أن تتخذ من دول الجوار الخليجي رهينة تستخدمها حين تريد وتقترب منها حين تشاء، وهي تريد أن توجع الولايات المتحدة الأميركية من خلال التأثير في حلفائها واختراق قنوات الأمن القومي العربي وانتهاز فرصة ضعفه نسبياً والدخول في مواجهات تحتاج من الجميع إلى استجماع القوى والتركيز على الجوهر وإفساح المجال أمام إيران جديد يستعيد السيطرة هو الآخر ويسعى إلى الهيمنة على حساب الدول العربية في الخليج وخارجها.
وتستخدم إسرائيل الفزاعة الإيرانية في تشتيت جهود التنمية والإصلاح لدول الخليج وتحتفظ بذلك الكارت الخبيث لاستخدامه عند اللزوم لدول أخرى في المنطقة قد يكون من بينها تركيا ومصر، ولذلك فإن على العرب البحث جدياً في تطوير منظومة الدفاع المشترك نظرياً وتطبيقياً والارتفاع فوق الخلافات والابتعاد عن الحساسيات، لأن التحديات القائمة هي تحديات وجودية وليست فقط خلافات حدودية.






