كشفت الحرب الأخيرة في المنطقة، وما رافقها من قيود على الملاحة في مضيق هرمز، عن خلل بنيوي عميق في قطاع الطاقة لدى العراق، يتمثل بعدم امتلاك البلاد أسطول ناقلات نفطية وطنياً، واعتمادها شبه الكامل على ناقلات مؤجرة ترفع أعلام دول أخرى.
ورغم إعلان إيران استثناء العراق من القيود المفروضة على المضيق، إلا أن هذا القرار اصطدم بواقع تقني ولوجستي، يتمثل بعدم وجود ناقلات عراقية قادرة على الاستفادة من هذا الاستثناء، ما دفع طهران لاحقاً إلى توسيع الاستثناء والسماح بمرور الشحنات المرتبطة بالعراق بغض النظر عن علم السفينة.
خلل قديم.. وأزمة تتكرر
منذ عام 2003، لم تتجه الحكومات العراقية المتعاقبة إلى بناء أسطول وطني من ناقلات النفط، رغم أن النفط يمثل المورد الأساسي للموازنة العامة. ويشير مختصون إلى أن شركة الناقلات النفطية العراقية، التي تأسست عام 1972، كانت تمتلك في السابق 24 ناقلة، قبل أن يتراجع هذا الأسطول بعد الحروب والعقوبات، لتفقد البلاد إحدى أهم أدواتها في تصدير النفط.
الناقلات التي أضيفت بعد 2003 كانت محدودة وصغيرة الحجم، ومخصصة للنقل الداخلي بين الموانئ ومنصات التحميل، وليست من فئة الناقلات العملاقة (VLCC) القادرة على نقل النفط الخام إلى الأسواق العالمية.
الاستثناء الإيراني كشف العجز
مع بداية الحرب، اشترطت إيران أن ترفع الناقلات العلم العراقي للاستفادة من الاستثناء في مضيق هرمز، إلا أن العراق لم يكن يمتلك ناقلات مناسبة، ما جعل الاستثناء غير قابل للتطبيق عملياً، الأمر الذي دفع طهران لاحقاً إلى توسيع القرار لتفادي توقف الصادرات العراقية.
هذه الحادثة كشفت أن أزمة العراق ليست فقط في إغلاق المضيق، بل في غياب أدوات التصدير المستقلة.
صادرات مهددة وأسواق بعيدة
يعتمد العراق بشكل رئيسي على أسواق شرق آسيا، حيث يصدّر كميات كبيرة إلى الصين والهند، إضافة إلى اليابان وكوريا الجنوبية، ما يجعل أمن الملاحة في مضيق هرمز مسألة حيوية للاقتصاد العراقي.
لكن المخاطر الأمنية في المضيق قد تدفع شركات التأمين إلى رفع تكاليف التأمين البحري، ما قد يجبر العراق على تقديم خصومات سعرية للمشترين لتعويض هذه الزيادة وضمان استمرار التصدير.
أزمة تتجاوز الحرب
مع بداية الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، أعلن العراق حالة “القوة القاهرة” وأوقف التصدير مؤقتاً بعد إغلاق المضيق، كما غادر عدد من الخبراء الأجانب الحقول النفطية، واستمر الإنتاج بالحد الأدنى لتأمين الحاجة المحلية.
ويكشف ذلك هشاشة قطاع الطاقة في العراق، ليس فقط بسبب التوترات العسكرية، بل بسبب اعتماد البلاد على أطراف خارجية في النقل والتأمين والغاز المستورد وتشغيل محطات الكهرباء.
الحل الاستراتيجي
يرى خبراء نفطيون أن الحل لا يكمن في المعالجات المؤقتة، بل في بناء أسطول وطني من ناقلات النفط قد يصل إلى 20 ناقلة عملاقة، لضمان استقلالية القرار النفطي العراقي، وتأمين صادراته في الأزمات.
وتظهر أزمة مضيق هرمز أن المشكلة الحقيقية ليست الحرب وحدها، بل بنية قطاع النفط العراقي نفسه، الذي لا يزال يعتمد على الخارج في واحدة من أهم حلقات سلسلة التصدير: نقل النفط إلى العالم.







