حرية
فتحت شركة “علي بابا” الصينية العملاقة جبهة قانونية جديدة مع الولايات المتحدة، بعد رفع دعوى قضائية ضد وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) للمطالبة بإزالة اسمها من قائمة الشركات التي تصنفها واشنطن على أنها مرتبطة بالجيش الصيني، في خطوة تعكس تصاعد المواجهة الاقتصادية والتكنولوجية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.
وتؤكد الشركة، في الدعوى المرفوعة أمام محكمة اتحادية في ولاية كاليفورنيا، أن قرار إدراجها ضمن قائمة “الشركات العسكرية الصينية” استند إلى مزاعم تفتقر إلى الأدلة الكافية، معتبرة أن وزارة الدفاع الأميركية لم تقدم مبررات قانونية أو وقائع موضوعية تثبت وجود صلات بينها وبين المؤسسة العسكرية الصينية.
وجاءت هذه الخطوة بعد إدراج “علي بابا” ضمن قائمة “1260H”، التي تضم شركات تعتبرها واشنطن جزءاً من منظومة الدعم العسكري أو التكنولوجي للصين، إلى جانب شركات كبرى أخرى من بينها شركة صناعة السيارات الكهربائية “بي واي دي”، في إطار استراتيجية أميركية أوسع تستهدف الحد من النفوذ التكنولوجي والاقتصادي الصيني.
وفي مذكرتها القضائية، شددت “علي بابا” على أنها شركة تجارية مدنية لا تمارس أي نشاط عسكري، ولا تشارك في برامج الدمج العسكري – المدني التي تعد إحدى الركائز الاستراتيجية للتنمية التكنولوجية في الصين. كما اتهمت وزارة الدفاع الأميركية بتجاهل المعلومات والوثائق التي قدمتها الشركة لنفي أي علاقة لها بالمؤسسة العسكرية.
وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنظر إلى حجم “علي بابا” ومكانتها العالمية، إذ تعد واحدة من أكبر شركات التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا المالية والحوسبة السحابية في العالم، ما يجعل أي إجراءات أميركية ضدها ذات تأثيرات تتجاوز السوق الصينية إلى الأسواق المالية الدولية.
ورغم أن الإدراج على القائمة لا يفرض عقوبات مباشرة أو قيوداً قانونية فورية على نشاط الشركة، فإنه يحمل تداعيات اقتصادية واستثمارية كبيرة. فالتصنيف يرفع مستوى المخاطر المرتبطة بالشركة في نظر المستثمرين، كما قد يدفع بعض المؤسسات المالية والصناديق الاستثمارية إلى تقليص انكشافها على أسهمها أو التخارج منها بالكامل.
وحذرت “علي بابا” من أن استمرار إدراجها على القائمة قد يؤدي إلى فرض قيود استثمارية من قبل عدد من الولايات الأميركية التي تعتمد التصنيفات الفيدرالية في قراراتها المالية، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على قيمة أسهم الشركة المدرجة في بورصة نيويورك ويحد من قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية.
وتأتي هذه الدعوى في توقيت حساس يشهد تصاعداً ملحوظاً في التوترات التجارية والتكنولوجية بين واشنطن وبكين، حيث تتبادل القوتان الاقتصاديتان فرض القيود والإجراءات العقابية على الشركات العاملة في قطاعات استراتيجية، تشمل التكنولوجيا المتقدمة وأشباه الموصلات والمعادن النادرة والطاقة النظيفة.
كما تتزامن القضية مع خطوات صينية مضادة استهدفت شركات أميركية تعمل في مجالات حيوية، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهة الاقتصادية بين الجانبين من الخلافات التجارية التقليدية إلى صراع استراتيجي يتعلق بالهيمنة التكنولوجية والأمن القومي.
ويرى محللون أن الدعوى القضائية قد تشكل اختباراً مهماً لقدرة الشركات الصينية على مواجهة القرارات الأميركية عبر المسارات القانونية، كما قد تفتح الباب أمام طعون مماثلة من شركات أخرى أُدرجت على القوائم الأميركية السوداء، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول الخلافات التجارية إلى حالة من الانفصال الاقتصادي التدريجي بين أكبر اقتصادين في العالم.
وفي حال نجاح “علي بابا” في الحصول على حكم لصالحها، فقد يمثل ذلك سابقة قانونية مهمة تعيد رسم حدود العلاقة بين اعتبارات الأمن القومي الأميركي وحقوق الشركات الأجنبية العاملة في الأسواق الأميركية، أما إذا فشلت الدعوى، فقد يكرس ذلك توجهاً أميركياً أكثر تشدداً تجاه الشركات الصينية خلال السنوات المقبلة.
القضية تتجاوز شركة “علي بابا” نفسها، إذ تعكس الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين على التكنولوجيا والبيانات والنفوذ الاقتصادي العالمي، حيث باتت الشركات الكبرى تتحول إلى أدوات رئيسية في المنافسة الجيوسياسية بين القوتين العظميين.






