حرية
تتجه الاحتجاجات في فرنسا إلى مرحلة أكثر حساسية، مع انتقال التحركات من الشوارع إلى مؤسسات ثقافية بارزة، بالتزامن مع تشديد السلطات القيود على التجمعات في المدن التي شهدت أعمال عنف وتخريب.
وبينما أعلنت السلطات حظر التجمعات في مرسيليا، جنوب البلاد، بعد ظهر الاثنين، أغلق طلاب مدخل متحف اللوفر في باريس دعماً لاحتجاجات طلاب الثانويات، في تحرك يعكس اتساع رقعة التعبير الاحتجاجي وتداخل المطالب الاجتماعية والتعليمية مع الاعتراض على أساليب تعامل الشرطة.
وذكرت السلطات الفرنسية، في بيان الاثنين 19 تشرين الأول 2026، أن التجمعات ستُحظر في مرسيليا من الساعة الثانية عشرة ظهراً حتى الثامنة مساءً، وفق ما نقلته وكالة فرانس برس.
وجاء القرار عقب أعمال عنف ونهب شهدتها المدينة خلال احتجاجات نهاية الأسبوع، وسط إجراءات أمنية تهدف إلى منع تجدد الاضطرابات.
واتخذت الاحتجاجات مساراً مختلفاً، إذ قطع طلاب مدخل متحف اللوفر للتعبير عن دعمهم لحركة طلاب الثانويات والتنديد بما وصفوه بقمع الشرطة.
ولم يتمكن المتحف من فتح أبوابه في موعده المعتاد عند التاسعة صباحاً، فيما وضع المحتجون منشوراً في محيطه جاء فيه: ‘نعتز بالإعلان أننا نغلق مدخل أكبر متحف في العالم’.
وأوضحت إدارة المتحف أن المؤسسة استُخدمت منصةً لإيصال رسالة المحتجين، رغم أن التحرك لا يرتبط مباشرة بأنشطتها.
ومن المطالب الطلابية إلى أزمة أوسع لا تقتصر التحركات على الاعتراض على الأوضاع التعليمية أو أساليب الشرطة، إذ تأتي ضمن موجة احتجاجات أوسع ارتبطت بارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية، إلى جانب مطالب بتحسين ظروف المدارس والخدمات العامة.
وشهدت احتجاجات السبت الماضي، 17 تشرين الأول، مواجهات بين الشرطة ومحتجين في باريس ومدن أخرى، بينها مرسيليا، مع تسجيل عمليات تخريب ونهب وإحراق ممتلكات.
ويكشف التحرك أمام اللوفر عن محاولة نقل الرسالة الاحتجاجية إلى فضاءات تحظى بحضور إعلامي واسع، بما يتيح للطلاب لفت الانتباه إلى مطالبهم خارج محيط المدارس والشوارع التقليدية. لكن هذا الأسلوب يضع المحتجين أيضاً أمام جدل بشأن حدود الاحتجاج وتأثير تعطيل المؤسسات العامة والثقافية في المواطنين والزوار.
اختبار للحكومة بين فرض الأمن واحتواء الغضب يمثل حظر التجمعات في مرسيليا اختباراً لقدرة السلطات على منع تكرار أعمال العنف، لكنه يفتح في الوقت نفسه نقاشاً بشأن كيفية التعامل مع الاحتجاجات السلمية وعدم الخلط بينها وبين أعمال التخريب.
فنجاح الإجراءات الأمنية لا يُقاس فقط بوقف التجمعات أو إعادة فتح الطرق والمؤسسات، بل أيضاً بقدرة الحكومة على معالجة المطالب التي دفعت إلى الاحتجاج، وتوضيح ما إذا كانت التجاوزات الأمنية المزعومة ستخضع للمراجعة والمساءلة.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته ضغوطاً متزايدة بسبب أحداث نهاية الأسبوع.
وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن ماكرون رفض استقالة وزير الداخلية لوران نونيز، وكلفه العمل على تطوير أساليب التعامل مع الاضطرابات، وسط تدقيق في أداء الأجهزة الأمنية ومدى استعدادها لمواجهة التصعيد.
وفي المحصلة، تتجاوز الأزمة الفرنسية مسألة حظر التجمعات أو تعطيل متحف اللوفر لساعات، لتضع الحكومة أمام معادلة صعبة: استعادة النظام العام وحماية الممتلكات، بالتوازي مع ضمان حق الاحتجاج والتعامل مع المطالب الطلابية والاجتماعية.
وستبقى طريقة إدارة التحركات المقبلة، ومدى قدرة السلطات على منع تكرار العنف من دون توسيع المواجهة مع المحتجين، من أبرز المؤشرات على اتجاه الأزمة خلال الأيام المقبلة.







