بغداد – وكالة حرية | تحليل خاص
في واحدة من أخطر السيناريوهات الجيوسياسية التي قد تعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية، لم يعد الحديث مقتصرًا على احتمال إغلاق مضيق هرمز، بل يتسع ليشمل تهديدًا موازيًا في مضيق باب المندب، ما يعني عمليًا خنق شريانين رئيسيين للتجارة والطاقة في آن واحد، وفتح جبهة بحرية مزدوجة قد تفقد الولايات المتحدة القدرة على السيطرة الكاملة على خطوط الملاحة الحيوية.
يمر عبر هرمز نحو 20% من تجارة النفط العالمية، بينما يمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس، وأي اضطراب فيه يعني تعطيل حركة التجارة بين آسيا وأوروبا. الجمع بين التهديدين يخلق ما يمكن وصفه بـ“كماشة بحرية استراتيجية” تضغط على النظام التجاري العالمي.
أولاً: من هرمز إلى باب المندب… استراتيجية توسيع الاشتباك
القراءة الاستخبارية تشير إلى أن إيران لا تحتاج إلى إغلاق المضائق بشكل مباشر، بل يمكنها استخدام أدوات غير تقليدية عبر حلفائها الإقليميين لخلق حالة فوضى بحرية. في باب المندب، يمكن أن تلعب جماعة أنصار الله (الحوثيون) دور الذراع التنفيذية، من خلال استهداف السفن أو تهديد الملاحة، ما يؤدي إلى تعطيل فعلي دون إعلان رسمي.
هذا السيناريو يضع الولايات المتحدة أمام تحدٍ معقد، إذ يتطلب تأمين مضيقين يفصل بينهما آلاف الكيلومترات، ما يشتت القدرات البحرية ويزيد من كلفة الانتشار العسكري، ويضعف القدرة على فرض سيطرة كاملة ومستدامة.
ثانياً: النفط… صدمة مركبة في الأسواق
إذا تزامن تهديد هرمز مع اضطراب باب المندب، فإن الأسواق ستواجه صدمة مزدوجة، حيث يتعطل جزء كبير من إمدادات النفط من الخليج، وفي الوقت نفسه تتعطل طرق الشحن البديلة عبر البحر الأحمر.
العراق، رغم استفادته النظرية من ارتفاع الأسعار، سيواجه تحديًا حقيقيًا في تصدير نفطه بأمان، خصوصًا مع ارتفاع كلف التأمين وتزايد المخاطر على الناقلات. كما أن أي إغلاق فعلي أو شبه إغلاق سيؤدي إلى اختناقات لوجستية قد تقلص حجم الصادرات، ما يحد من الاستفادة المالية.
ثالثاً: الأمن… العراق بين محورين للنار
توسيع ساحة التوتر إلى باب المندب يعني أن الصراع لم يعد محصورًا في الخليج، بل أصبح إقليميًا متعدد الجبهات. هذا يرفع احتمالية أن يتحول العراق إلى ساحة ضغط غير مباشرة، سواء عبر استهدافات أو رسائل عسكرية متبادلة.
كما أن انشغال الولايات المتحدة بتأمين خطوط الملاحة في مسارين بحريين قد يقلل من تركيزها، ما يخلق فراغًا نسبيًا يمكن أن تستغله أطراف مسلحة لفرض وقائع جديدة على الأرض.
رابعاً: الدولار… ضغط مضاعف على السوق العراقية
في ظل أزمة بهذا الحجم، سيزداد الطلب العالمي على الدولار، ما يعزز قوته ويضغط على العملات المحلية. العراق، الذي يعتمد بشكل كبير على استقرار تدفقاته النفطية وعلاقته بالنظام المالي الأمريكي، قد يواجه ضغوطًا مزدوجة: من جهة اضطراب الإيرادات، ومن جهة أخرى تشديد محتمل على التحويلات المالية.
النتيجة المتوقعة هي ارتفاع في سعر الصرف في السوق الموازية، وزيادة في معدلات التضخم، ما ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن.
خامساً: قانونيًا… مواجهة مفتوحة مع النظام الدولي
بحسب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فإن كلاً من هرمز وباب المندب يُعدان من المضائق الدولية التي يجب أن تبقى مفتوحة للملاحة أي تعطيل لهما، سواء بشكل مباشر أو عبر وكلاء، يُعد انتهاكًا للقانون الدولي، وقد يبرر تدخلًا عسكريًا واسعًا لإعادة فتحهما.
لكن الواقع العملي يُظهر أن الحروب الحديثة لا تُدار دائمًا عبر الإغلاق الرسمي، بل عبر خلق بيئة خطرة تجعل الملاحة شبه مستحيلة دون إعلان صريح، وهو ما يعقّد الرد الدولي.
خلاصة استخبارية موسعة:
السيناريو الأخطر لا يتمثل في إغلاق مضيق واحد، بل في تزامن التهديد بين مضيق هرمز ومضيق باب المندب، ما يخلق أزمة طاقة وتجارة عالمية غير مسبوقة، ويضع الولايات المتحدة أمام تحدي السيطرة على مسرحين بحريين متباعدين.
بالنسبة للعراق، فإن هذا التطور يعني الانتقال من حالة “المستفيد الحذر” إلى “الدولة المعرضة للخطر المركب”، حيث تتداخل الضغوط الاقتصادية مع التهديدات الأمنية والنقدية.
المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بحجم التصعيد، بل بقدرة الدول – وفي مقدمتها العراق – على إدارة التوازنات الدقيقة، وتجنب التحول إلى ساحة صراع مفتوحة في حرب لا تُدار بالخطوط التقليدية، بل عبر المضائق والاقتصاد والرسائل غير المباشرة.
حرية | قراءة ما بين السطور… قبل أن يتحول الحدث إلى واقع.







