حرية
تعكس التصريحات الروسية الأخيرة بشأن الاستعداد للمساعدة في ملف اليورانيوم الإيراني محاولة واضحة من موسكو للعب دور أكثر تأثيراً في إدارة الأزمة بين طهران وواشنطن، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انهيار المسار الدبلوماسي وعودة المواجهة العسكرية إلى الواجهة.
وأكدت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن موسكو مستعدة للمساعدة في تنفيذ أي تفاهمات محتملة تتعلق باليورانيوم المخصب، مع التشديد على أن القرار النهائي بشأن مخزونات اليورانيوم يعود لإيران وحدها، في رسالة تحمل دعماً واضحاً لحق طهران في التحكم بملفها النووي ضمن إطار التفاوض.
وتكشف هذه التصريحات أن روسيا تحاول تثبيت نفسها كوسيط وضامن محتمل لأي اتفاق نووي جديد، خاصة مع الحديث المتزايد عن مقترحات تتعلق بنقل أو تخزين جزء من اليورانيوم الإيراني في دول ثالثة مثل روسيا أو الصين ضمن أي تسوية مستقبلية.
كما تعكس المواقف الروسية إدراكاً بأن الأزمة النووية الإيرانية لم تعد مجرد ملف تقني، بل أصبحت جزءاً من التوازنات الدولية الكبرى بين واشنطن وموسكو وبكين، خصوصاً في ظل الحرب المفتوحة في أوكرانيا وتصاعد الاستقطاب العالمي.
وتزامنت التصريحات الروسية مع استمرار الوساطة الباكستانية بين إيران والولايات المتحدة، حيث أكدت طهران أنها تسلمت مقترحات أميركية جديدة وتقوم بدراستها، في وقت تتواصل فيه جولات تبادل الرسائل عبر إسلام آباد.
ويبدو أن موسكو تسعى من خلال هذا التحرك إلى تحقيق عدة أهداف في آن واحد:
- منع اندلاع حرب جديدة قرب حدود نفوذها الإقليمي
- الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران
- وتعزيز دورها الدولي كقوة قادرة على التأثير في الملفات الكبرى رغم الضغوط الغربية.
وفي المقابل، تدرك روسيا أن أي انهيار كامل للمفاوضات قد يؤدي إلى تصعيد عسكري واسع يهدد استقرار أسواق الطاقة ويزيد من تعقيد المشهد الدولي، خصوصاً مع حساسية مضيق هرمز وتأثير أي مواجهة على أسعار النفط والاقتصاد العالمي.
كما أن استعداد موسكو للمشاركة في ترتيبات تخص اليورانيوم المخصب يعكس احتمال العودة إلى نماذج تفاوضية شبيهة باتفاق 2015، حين لعبت روسيا دوراً فنياً وسياسياً في إدارة بعض جوانب البرنامج النووي الإيراني.
لكن رغم الحراك الدبلوماسي الحالي، لا تزال الفجوات بين واشنطن وطهران كبيرة، خاصة فيما يتعلق بمستويات التخصيب والعقوبات وضمانات عدم العودة إلى التصعيد العسكري، وهو ما يجعل أي اتفاق محتمل معقداً وحساساً.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو روسيا وكأنها تحاول استثمار الأزمة النووية الإيرانية لإعادة تكريس نفسها لاعباً أساسياً في النظام الدولي، عبر تقديم نفسها كطرف قادر على منع الانفجار الإقليمي والحفاظ على قنوات التفاوض مفتوحة بين الخصوم.







