استيقظت المنطقة، صباح الأربعاء، على هدنة بين الولايات المتحدة وإيران أوقفت القصف العنيف على الأراضي الإيرانية، فيما كان لبنان يواجه في يومها الأول أكثر من 100 غارة إسرائيلية خلال دقائق، خلّفت ما لا يقل عن 254 قتيلاً ومئات الجرحى، وفق أرقام الدفاع المدني.
بدت هذه الضربات، التي وُصفت بالأعنف منذ سنوات، كرسالة ميدانية مباشرة تستهدف مفهوم “وحدة الساحات”، الذي سعت طهران إلى ترسيخه عبر ربط جبهات المواجهة في الإقليم، خصوصاً مع انخراط حزب الله في الحرب.
اليوم، تقف هذه المعادلة أمام اختبارها الأصعب، إذ يطرح استمرار القصف على لبنان، بالتزامن مع توقفه على إيران، تساؤلات جدية حول قدرة هذا المفهوم على الصمود أمام محاولات التفكيك.
في هذا السياق، يرى مراقبون أن الحملة الجوية الإسرائيلية ليست مجرد تصعيد عسكري، بل جزء من استراتيجية تهدف إلى فصل الجبهات وإعادة تعريف الصراع، بحيث يُتعامل مع كل ساحة بمعزل عن الأخرى. وقد عبّر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن ذلك صراحة، مؤكداً السعي لفصل الحرب مع إيران عن القتال في لبنان.
كما ينسجم هذا التوجه مع خطة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لفرض منطقة عازلة في جنوب لبنان، بما يكسر معادلة “تلازم المسارات” التي تعتمدها طهران.
في المقابل، بدا الموقف الأميركي أكثر ميلاً إلى هذا الفصل، إذ اعتبر الرئيس دونالد ترامب أن ما يجري في لبنان “مناوشة منفصلة”، فيما شدد نائبه جيه دي فانس على أن شمول لبنان في الاتفاق ليس سوى “سوء فهم”.
غير أن الوسيط باكستان قدّم رواية مختلفة، إذ أعلن رئيس وزرائها شهباز شريف أن وقف إطلاق النار يشمل لبنان أيضاً، محذراً مسؤولون باكستانيون من أن استمرار القصف الإسرائيلي يقوض فرص السلام.
هذا التباين وضع طهران أمام معضلة استراتيجية: فقبول استفراد إسرائيل بلبنان يعني عملياً انهيار “وحدة الساحات”. لذلك، سارع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى إعلان أن خروقات أساسية للهدنة حصلت، فيما لوّح وزير الخارجية عباس عراقجي بخيار استمرار الحرب إذا لم يتوقف التصعيد.
في الداخل اللبناني، تتصاعد المخاوف من أن يُترك البلد وحيداً في المواجهة، خصوصاً بعد دخول حزب الله الحرب رداً على التطورات الإقليمية.
ميدانياً، اتبع حزب الله تكتيك “الصمت” في الساعات الأولى من الهدنة، في محاولة لإفشال استراتيجية فصل الجبهات، قبل أن يكسر هذا الصمت لاحقاً بإطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل، رداً على الغارات.
في الأثناء، حذرت تحليلات روسية من أن الهدنة قد تكون تكتيكية، تهدف إلى نقل مركز التصعيد من إيران إلى لبنان، ما يضع معادلة “وحدة الساحات” تحت ضغط غير مسبوق.
ومع اقتراب مفاوضات إسلام آباد، يبدو المشهد كسباق مع الزمن: إما تثبيت لبنان ضمن إطار التسوية الشاملة، أو انزلاق المنطقة مجدداً إلى مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم ملامح الصراع بالكامل.







