حرية
تواجه بغداد ملف التلوث البيئي بإجراءات متصاعدة تستهدف معامل وكور صهر المعادن ومواقع الحرق العشوائي، في وقت تشير فيه مؤشرات جودة الهواء إلى تحسن نسبي تزامن مع إغلاق عدد من مصادر التلوث.
وبينما تتواصل الحملات الميدانية، تبرز الحاجة إلى مراقبة مستمرة للانبعاثات، وضبط الأنشطة الصناعية، ومعالجة مصادر التلوث بما يضمن تحسناً مستداماً في نوعية الهواء.
وتأتي هذه الإجراءات بعد سلسلة حملات نفذتها الجهات المختصة خلال الأشهر الماضية، استهدفت معامل وكور صهر المعادن المخالفة للضوابط البيئية والصحية، إلى جانب مواقع الحرق العشوائي، في محاولة للحد من الانبعاثات والغازات والروائح الناتجة عن تلك الأنشطة.
وفي أحدث الإجراءات، أعلنت قيادة عمليات بغداد، يوم أمس السبت، إغلاق 81 كورة لصهر المعادن و33 معملاً مخالفاً للضوابط والشروط البيئية والصحية في جانبي الكرخ والرصافة.
وقالت القيادة في بيان تلقته (حرية) ، إن لجنة الأمر الديواني (241285) تواصل مهامها في متابعة معامل وكور صهر المعادن المخالفة، مشيرة إلى أن الإجراءات شملت إغلاق 81 كورة لصهر المعادن و33 معملاً، بينها معامل لإنتاج مادة الإسفلت، فضلاً عن إزالة عدد كبير من مواقع الحرق العشوائي.
وأضافت أن هذه الإجراءات تهدف إلى الحد من مستويات التلوث البيئي الناجمة عن انبعاث الغازات والروائح المصاحبة لعمليات الإنتاج، وما تسببه من أضرار على صحة وسلامة المواطنين.
وأكدت قيادة عمليات بغداد استمرار اللجنة في متابعة المواقع المخالفة واتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من مصادر التلوث في العاصمة.ولا تمثل هذه الحملة بداية التحرك ضد مصادر التلوث الصناعي، إذ سبق لقيادة عمليات بغداد أن أعلنت في 22 حزيران 2026 إغلاق خمسة معامل مخالفة للضوابط والشروط البيئية وإزالة عدد من مواقع كور صهر المعادن في منطقة سبع قصور شرقي العاصمة.
وقالت القيادة حينها إن لجنة الأمر الديواني 241285 نفذت العملية بالتعاون مع مفارز من وزارة البيئة وجهاز الأمن الوطني وشرطة بيئة الرصافة، موضحة أن المعامل كانت تعمل من دون موافقات أصولية، وأن الإجراءات جاءت للحد من التلوث الناتج عن انبعاث الغازات والروائح المصاحبة للعمليات الإنتاجية.
وأشارت إلى أن الحملة تأتي ضمن عمليات غلق وتدقيق المصانع والمعامل وكور صهر المعادن غير المجازة.
وفي موازاة الإجراءات الحكومية، برز خلال آب 2026 ملف معامل الأسفلت من زاوية أخرى، بعدما تظاهر أصحاب عدد منها أمام وزارة النفط، مؤكدين أن معاملهم مستوفية للشروط، وأنهم يعانون منذ نحو سنة بسبب عدم تجهيزهم بالمواد الثقيلة والحصة الوقودية، مطالبين بإطلاق حصصهم وخفض أسعارها.
وبين ملف المعامل المخالفة وشكاوى أصحاب معامل أخرى من صعوبات التشغيل، تتداخل الجوانب البيئية مع متطلبات تنظيم النشاط الصناعي، بما يجعل ضبط مصادر الانبعاثات بحاجة إلى التفريق بين المواقع المخالفة وتلك المستوفية للشروط، مع ضمان تطبيق المعايير البيئية والصحية.
وفي هذا السياق، قالت خبيرة التلوث البيئي د. إقبال لطيف جابر، إن جودة الهواء في العراق تشهد ارتفاعاً في نسب الملوثات الناتجة عن مصادر صناعية، بينها المعادن الثقيلة مثل الرصاص والكروم، فضلاً عن ملوثات أخرى تنتج عن الأنشطة الصناعية والحرق العشوائي للنفايات.
وأوضحت جابر في تصريح لـ(حرية)، أن هذه الملوثات تنتشر في الجو نتيجة الحرق العشوائي للنفايات ومصادر الانبعاثات الصناعية، مبينة أن مؤشر جودة الهواء كان يسجل مستويات “غير صحية” بعد الساعة 11 و12 وحتى الساعة الواحدة، بسبب ارتفاع قيم الملوثات.
وأضافت أن مؤشر جودة الهواء سجل اليوم عند الساعة الثالثة مستوى 73، وهو ضمن المستوى الجيد، مشيرة إلى أن هذا التحسن جاء بالتزامن مع بدء الحملة وإغلاق مصادر التلوث، وهي خطوة أسهمت في تحسين جودة الهواء.وبحسب جابر، فإن التحسن المسجل في مؤشر جودة الهواء يمثل نتيجة إيجابية للإجراءات المتخذة، لكنه لا يعني انتهاء المشكلة أو الاكتفاء بالمستوى الحالي، إذ إن استمرار التحسن يرتبط بقدرة الجهات المعنية على مراقبة مصادر التلوث والحد من عودتها.
وأكدت أن تسجيل مؤشر جيد اليوم لا يعني الاكتفاء بهذا المستوى، وإنما يتطلب الأمر وجود منظومة أرصاد لقياس الغبار بصورة مستمرة وفي مناطق مختلفة، إلى جانب زيادة الرقابة والتفتيش على المناطق التي تشهد حرق النفايات بصورة عشوائية.
وشددت على ضرورة الاستمرار في العمل على تخفيف أعداد السيارات، بما يسهم في الحد من مصادر التلوث، لافتة في الوقت ذاته إلى أهمية الحفاظ على التنوع البيولوجي وزيادته.
وبينت أن غياب بعض الكائنات، ومنها البوم، يؤثر في التوازن البيئي، لكونها تتغذى على بعض الآفات والقوارض التي تتسبب بأضرار اقتصادية للمحاصيل الزراعية، مشيرة إلى أن الحفاظ على جودة الهواء والتنوع البيولوجي يمكن أن يسهم في الحد من هذه الآفات بطريقة بيولوجية وطبيعية من دون اللجوء إلى المكافحة.
وتكشف هذه المعطيات أن معالجة تلوث الهواء في بغداد لا تتوقف عند إغلاق المعامل وكور صهر المعادن المخالفة، بل تمتد إلى مراقبة الحرق العشوائي للنفايات، والانبعاثات الصناعية، وحركة المركبات، فضلاً عن الحاجة إلى قياسات مستمرة لجودة الهواء والغبار في مناطق مختلفة.
وبينما سجل مؤشر جودة الهواء مستوى جيداً بالتزامن مع الإجراءات الأخيرة، يبقى التحدي في الحفاظ على هذا التحسن وتحويله من نتيجة مرتبطة بحملة مؤقتة إلى مسار مستمر، عبر الرقابة والإدامة ومنع عودة مصادر التلوث، بالتوازي مع تنظيم النشاط الصناعي بما يحفظ صحة المواطنين ويحمي البيئة والتوازن الطبيعي في العاصمة.







