حرية
أعلنت وزارة الخارجية الأميركية موافقتها على صفقة عسكرية جديدة للعراق بقيمة 800 مليون دولار، تتضمن بيع مروحيات عسكرية أميركية، في خطوة تعكس استمرار التعاون الدفاعي بين بغداد وواشنطن وتوجه العراق نحو تحديث جزء من أسطوله الجوي.
وذكرت الوزارة في بيان أن شركة بيل – تكسترون، ومقرها مدينة فورت وورث في ولاية تكساس، ستكون المتعاقد الرئيسي على الصفقة، من دون أن تتضح في البيان تفاصيل إضافية بشأن عدد المروحيات أو جدول التسليم ومكوناتها بصورة كاملة.
وتأتي الصفقة في سياق توجه عراقي مستمر لإعادة تنظيم وتحديث قدرات الطيران العسكري، خصوصاً في ظل المشكلات التي واجهت تشغيل بعض المروحيات روسية الصنع، وعلى رأسها طائرات «مي-17»، بسبب صعوبات الحصول على قطع الغيار والدعم الفني منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
وكان موقع «ذا درايف» الأميركي قد أشار مطلع عام 2023 إلى أن العراق يبحث استبدال جزء من مروحياته الروسية بأخرى أميركية، في ظل تعقيدات الإمداد والصيانة التي فرضتها الحرب في أوكرانيا.
لماذا تتجه بغداد نحو المروحيات الأميركية؟
لا تبدو الخطوة مرتبطة فقط بمسألة استبدال طائرات قديمة أو صعوبة توفير قطع الغيار، بل تحمل أبعاداً أوسع تتعلق بمستقبل منظومة التسليح العراقية.
فالاعتماد على منظومات عسكرية من مصادر متعددة يمنح العراق تنوعاً في التسليح، لكنه في المقابل يفرض تحديات كبيرة في التدريب والصيانة وتوفير الذخائر وقطع الغيار. لذلك، فإن الانتقال تدريجياً نحو منظومات غربية موحدة نسبياً يمكن أن يقلل من هذه التعقيدات ويرفع مستوى الجاهزية التشغيلية.
كما أن المروحيات تؤدي دوراً مهماً في العمليات العراقية، سواء في النقل العسكري، والإسناد الجوي، ومكافحة الإرهاب، والاستطلاع، وإسناد القوات البرية، ما يجعل تحديثها جزءاً من إعادة بناء القدرات الجوية وليس مجرد صفقة تسليح منفردة.
صفقة تحمل رسالة سياسية
الجانب الأبرز في الصفقة لا يتعلق بقيمتها المالية فقط، وإنما باتجاهها الاستراتيجي.
فالعراق، الذي امتلك خلال السنوات الماضية مزيجاً من الطائرات والمروحيات الأميركية والروسية، يبدو أمام خيار إعادة ترتيب هذا المزيج باتجاه الاعتماد بصورة أكبر على التكنولوجيا الأميركية.
وهذا التحول قد يرفع مستوى التكامل بين القوات العراقية والمنظومات الأميركية، خصوصاً في مجالات التدريب والصيانة والاتصالات والاستطلاع، لكنه في الوقت نفسه يجعل بغداد أكثر ارتباطاً بسلاسل الإمداد والدعم الفني الأميركية على المدى الطويل.
هل تنهي الصفقة مشكلة المروحيات الروسية؟
ليس بالضرورة.فالموافقة الأميركية على بيع مروحيات بقيمة 800 مليون دولار لا تعني تلقائياً خروج جميع المروحيات الروسية من الخدمة. فقد يحتفظ العراق بجزء من أسطوله الروسي طالما أن بعض تلك الطائرات لا تزال قادرة على العمل، بالتوازي مع إدخال طائرات أميركية جديدة إلى الخدمة.
لكن استمرار الصفقات الأميركية بهذا الاتجاه يمكن أن يعني أن الطيران العسكري العراقي يتجه تدريجياً إلى تقليص اعتماده على المنظومات الروسية، خصوصاً إذا أصبحت كلفة الصيانة وقطع الغيار والتحديث عائقاً أمام استمرار تشغيلها.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الصفقة
وتبقى قيمة الصفقة على الأرض مرتبطة بقدرة العراق على تحويل شراء المروحيات إلى قدرة تشغيلية مستدامة.
فالتحديث العسكري لا يقاس بعدد الطائرات التي تدخل الخدمة، وإنما بمدى توافر أطقم مدربة، وقطع غيار، ومراكز صيانة، وذخائر، وأنظمة قيادة واتصال، وبرامج تدريب طويلة الأمد.
وبالتالي، فإن صفقة الـ800 مليون دولار قد تمثل خطوة مهمة في تحديث القوة الجوية العراقية، لكن نجاحها سيُقاس بقدرة بغداد على بناء منظومة متكاملة حول هذه المروحيات، لا بمجرد استلامها.
والرسالة الأوسع أن العراق يبدو أمام مرحلة جديدة في إعادة تشكيل أسطوله العسكري: من منظومات روسية تواجه تحديات الإمداد، إلى منظومات أميركية أكثر ارتباطاً بمنظومة التسليح والتدريب والدعم الغربية.







