حرية
لم يكن توقيت إعلان السفارة الأمريكية في بغداد مساء الجمعة عن موافقة العراق على العمل مع مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) أمراً عابراً أو مجرد بيان دبلوماسي تقليدي فالرسالة جاءت في توقيت حساس يسبق مباشرة انطلاق أسبوع العمل الرسمي في العراق يوم الأحد وهو ما يمنح الإعلان أبعاداً اقتصادية ومصرفية تتجاوز الجانب الفني المتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
فالأسواق المالية والمصارف وشركات التحويل والتجارة الخارجية تراقب عن كثب أي موقف يصدر عن المؤسسات الدولية أو الجهات الأمريكية المعنية بالقطاع المالي العراقي. وعندما تعلن واشنطن بعد مراجعة استمرت قرابة عامين أن العراق وافق على خطة عمل لمعالجة أوجه القصور الاستراتيجية في منظومته المالية فإن الرسالة الأساسية لا تتعلق بالماضي بقدر ما تتعلق بالمستقبل.
الإعلان الأمريكي يمكن قراءته بوصفه إشارة دعم دولية للجهود التي بدأها العراق خلال السنوات الأخيرة لإصلاح القطاع المصرفي وتعزيز الرقابة على حركة الأموال والتحويلات الخارجية. كما أنه يحمل رسالة طمأنة إلى المؤسسات المالية الدولية بأن بغداد أبدت استعداداً عملياً للتعاون مع المعايير العالمية الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ومن المتوقع أن ينعكس هذا الإعلان على النقاشات التي ستشهدها المؤسسات المصرفية العراقية مع بداية الدوام الرسمي يوم الأحد. فالمصارف المحلية ستكون أمام مرحلة جديدة من التشدد في تطبيق إجراءات الامتثال والرقابة والتدقيق على التحويلات المالية والعمليات المصرفية بما ينسجم مع متطلبات خطة العمل المتفق عليها مع مجموعة العمل المالي.
كما أن الإعلان يأتي في وقت يواصل فيه البنك المركزي العراقي تنفيذ إصلاحات واسعة في النظام المالي والمصرفي بهدف تعزيز الشفافية وتقليل المخاطر المرتبطة بالتحويلات الخارجية والدولار والتعاملات التجارية الدولية. ولذلك فإن الترحيب الأمريكي يمكن اعتباره دعماً سياسياً واقتصادياً لهذه الإجراءات ورسالة إيجابية إلى المؤسسات المالية العالمية التي تتعامل مع العراق.
الأهمية الحقيقية للبيان لا تكمن في موافقة العراق على التعاون مع مجموعة العمل المالي فحسب بل في اعتراف الجانب الأمريكي بوجود إرادة سياسية عراقية للالتزام بالمعايير الدولية. فمثل هذا التقييم يعد عاملاً مهماً في نظرة المؤسسات الدولية والمصارف المراسلة إلى البيئة المالية العراقية خلال المرحلة المقبلة.
ويرى مراقبون أن نجاح العراق في تنفيذ متطلبات خطة العمل قد يفتح الباب مستقبلاً أمام تعزيز الثقة الدولية بالقطاع المصرفي العراقي وتسهيل حركة التحويلات المالية وتقليل العقبات التي تواجه بعض المصارف في تعاملاتها الخارجية. كما أنه قد يسهم في جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية التي تنظر عادة إلى مستوى الامتثال المالي والرقابي باعتباره مؤشراً مهماً على سلامة بيئة الأعمال.
وفي المقابل فإن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة. فخطة العمل التي وضعتها مجموعة العمل المالي تتطلب إصلاحات تشريعية ورقابية ومصرفية متواصلة فضلاً عن تعزيز قدرات المؤسسات المختصة بمكافحة الجرائم المالية وتتبع الأموال المشبوهة وتمويل الإرهاب.
وبذلك فإن إعلان السفارة الأمريكية يوم الجمعة لا يمثل نهاية مسار المراجعة الدولية للعراق بل بداية مرحلة جديدة من الالتزامات والإصلاحات التي ستخضع للمتابعة والتقييم الدولي المستمر. ومع بدء الدوام الرسمي يوم الأحد ستكون الأنظار موجهة نحو المؤسسات المالية والمصرفية العراقية لمعرفة الخطوات العملية التي ستتخذها لترجمة هذا الالتزام إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع.
وفي حال نجح العراق في تنفيذ متطلبات مجموعة العمل المالي بصورة كاملة فإن المكاسب لن تقتصر على الجانب الرقابي فحسب بل قد تمتد إلى تعزيز الاستقرار المالي ورفع مستوى الثقة الدولية بالاقتصاد العراقي وفتح آفاق أوسع أمام الاستثمار والتعاملات المصرفية العالمية.







