حرية
بعد يوم واحد على استهداف سفينة تجارية قرب مضيق باب المندب، عادت جماعة الحوثيين، اليوم الأربعاء، إلى تصعيد هجماتها على الساحل الغربي لليمن، مستهدفة مدينة وميناء المخا بعدة صواريخ باليستية، في تطور يعكس انتقال التصعيد من استهداف الملاحة البحرية إلى الضغط المباشر على المناطق الساحلية ذات الأهمية الاستراتيجية.
وقالت مصادر عسكرية في المقاومة الوطنية إن الحوثيين أطلقوا عدة صواريخ باليستية باتجاه مدينة وميناء المخا، بعد ساعات من توقف هجوم سابق شنته الجماعة على المدينة والميناء، مشيرة إلى أن الميناء كان قد خرج عن الخدمة عقب تعرض بنيته التحتية للاستهداف خلال الأيام الماضية.
وبحسب المصادر، فإن الهجوم الصاروخي الجديد جاء بالتزامن مع تحركات عسكرية أخرى للحوثيين في محيط المدينة، ما يضع المخا أمام موجة تصعيد متواصلة لا تبدو منفصلة عن التطورات المتسارعة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وقال الناطق الرسمي باسم القوات المشتركة في الساحل الغربي، العقيد وضاح الدبيش، إن المضادات الأرضية التابعة للمقاومة الوطنية تصدت لموجة من الطائرات المسيّرة استهدفت مواقع غرب مدينة المخا، وتمكنت من إسقاط إحدى الطائرات، قبل أن يتجدد القصف الصاروخي على المدينة والميناء.
وفي السياق ذاته، أفاد الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية بأن الوحدات المرابطة في محور البرح خاضت مواجهات عنيفة مع الحوثيين، وأفشلت محاولات تسلل نفذتها الجماعة، فيما اندلعت النيران في مواقع تابعة لها إثر الضربات التي وجهتها المقاومة.
سفينة مدنية تفتح جبهة جديدة
التصعيد الحوثي جاء بعد ساعات من حادثة استهداف سفينة تجارية بالقرب من مضيق باب المندب، في هجوم أسفر، وفق المعطيات التي أوردتها المصادر اليمنية، عن مقتل أربعة من أفراد طاقمها واثنين من فريق الإنقاذ الحكومي.
وكانت السفينة، التي تحمل اسم “تهامة”، في رحلة اعتيادية من ميناء المخا باتجاه القرن الأفريقي لنقل البضائع، وتعمل في هذا الخط منذ عدة سنوات.
وأكدت الحكومة اليمنية أن السفينة مملوكة لشركة خاصة وحاصلة على التصاريح الرسمية للعمل في النقل البحري، مشيرة إلى أنها تستخدم لنقل المسافرين والمدنيين بين عدن وجيبوتي والصومال وسقطرى ذهاباً وإياباً، كما سبق لها نقل إمدادات مدنية إلى عدد من الجزر اليمنية.
وتكتسب الحادثة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة السفينة ومسارها، إذ إن استهداف وسيلة نقل مدنية في هذه المنطقة الحساسة يضيف بعداً جديداً إلى المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة في باب المندب.
المخا.. من مدينة ساحلية إلى نقطة اشتباك إقليمية
لم تعد المخا مجرد مدينة ساحلية يمنية تقع على البحر الأحمر، بل أصبحت واحدة من أهم النقاط العسكرية في المعادلة الأمنية للساحل الغربي.
فموقعها القريب من مضيق باب المندب يمنحها أهمية تتجاوز حدود الصراع اليمني الداخلي، ويجعل أي تصعيد عسكري فيها مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
ومن هنا يمكن قراءة تكرار الهجمات الحوثية على المخا بوصفه جزءاً من معادلة أوسع: الضغط على الساحل، وتهديد الموانئ، وإبقاء الملاحة البحرية تحت خطر الاستهداف، بالتوازي مع تحركات عسكرية على خطوط التماس البرية.
المعادلة لا تتعلق بالمخا وحدها، وإنما بممر بحري تمر عبره حركة تجارية وطاقة عالمية، ويشكل باب المندب إحدى بواباته الأساسية.
التصعيد البحري ينتقل إلى البر
اللافت في التطورات الأخيرة هو تزامن استهداف السفن مع تكثيف الهجمات على مدينة المخا ومحيطها.
وهذا التزامن يطرح احتمال أن تكون الجماعة تسعى إلى توسيع نطاق الضغط في المنطقة، بحيث لا يقتصر التهديد على السفن التي تمر في البحر الأحمر وباب المندب، بل يمتد إلى الموانئ والمدن الساحلية التي تمثل نقاط ارتكاز للقوات المناوئة لها.
ومع استمرار تبادل الهجمات، تصبح المخا أمام معادلة أمنية شديدة التعقيد: مدينة وميناء في مرمى الصواريخ والمسيّرات، وموقع جغرافي ملاصق لأحد أهم الممرات البحرية، وجبهة برية تشهد بدورها مواجهات ومحاولات تسلل.
وهذا يعني أن أي تصعيد جديد في المخا قد تكون له تداعيات تتجاوز الساحة اليمنية، خصوصاً إذا انعكس على حركة السفن التجارية أو دفع شركات النقل البحري إلى إعادة حساباتها بشأن المرور عبر باب المندب.
باب المندب تحت الاختبار مجدداً
تأتي هذه التطورات في وقت أصبح فيه أمن البحر الأحمر وباب المندب جزءاً من معادلة أمنية دولية أوسع.
فالممر البحري لا يمثل أهمية لليمن وحده، بل يربط طرق التجارة بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وأي اضطراب طويل الأمد فيه يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين ويجبر السفن على تغيير مساراتها.
وبالتالي، فإن استهداف سفينة مدنية بالتزامن مع قصف ميناء ومدينة المخا يضع المنطقة أمام تصعيد مزدوج: تهديد للملاحة من جهة، وضغط عسكري على الساحل من جهة أخرى.
وإذا استمرت هذه الوتيرة، فإن المخا قد تتحول أكثر فأكثر إلى نقطة مواجهة رئيسية في صراع يتجاوز حدود اليمن، بينما يبقى باب المندب في قلب الحسابات، باعتباره ممراً لا تسمح أهميته الاقتصادية والاستراتيجية بتحوله إلى ساحة مفتوحة للتصعيد من دون تداعيات إقليمية ودولية واسعة.







