رغد بنت زيد
حين تعلن الحكومة العراقية أن الأول من تشرين الأول المقبل سيكون موعداً لخلو العراق من أي وجود عسكري أجنبي، فإن المشهد لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد انسحاب لقوات أجنبية من الأراضي العراقية، بل بوصفه اختباراً أكبر لمعنى السيادة وحدود قدرة الدولة على إدارة أمنها بقرار مستقل.
فالسيادة لا تبدأ بخروج آخر جندي أجنبي، كما أنها لا تكتمل بمجرد إغلاق القواعد أو انتهاء المهام العسكرية الخارجية. السيادة الحقيقية تبدأ عندما يصبح قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها، وعندما يكون السلاح خاضعاً للقانون، وعندما لا توجد جهة تستطيع أن تتخذ قراراً أمنياً أو عسكرياً خارج مؤسسات الدولة.
وهنا تبرز المفارقة العراقية
فالعراق قد ينجح في طي صفحة الوجود العسكري الأجنبي، لكنه في الوقت ذاته يدخل مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بالداخل: من يملك السلاح؟ ومن يملك قرار استخدامه؟ وهل تستطيع الحكومة أن تجعل المؤسسة العسكرية والأمنية المرجعية الوحيدة في إدارة الملف الأمني؟
هذه الأسئلة ليست هامشية، بل تمثل جوهر المرحلة المقبلة.
الانسحاب الخارجي أسهل من حسم الداخل
التفاوض على انسحاب القوات الأجنبية يمكن أن يخضع لجداول زمنية واتفاقات واضحة بين الحكومات، ويمكن تحديد المراحل والمسؤوليات وآليات التنفيذ. أما ملف السلاح داخل العراق، فهو أكثر تعقيداً لأنه يرتبط بتوازنات سياسية وأمنية تراكمت على مدى سنوات.
ولهذا فإن خروج القوات الأجنبية قد يكون في جانب منه أسهل من معركة حصر السلاح.
فالانتقال من واقع تعدد مراكز القوة إلى واقع الدولة الواحدة يحتاج إلى إرادة سياسية قادرة على تطبيق القانون على الجميع، وإلى مؤسسات أمنية تمتلك القدرة والكفاءة، وإلى توافق سياسي يمنع تحويل الملف إلى مواجهة داخلية.
والأهم من ذلك أن حصر السلاح لا ينبغي أن يُفهم باعتباره استهدافاً لطرف سياسي أو اجتماعياً بعينه، وإنما باعتباره قاعدة أساسية لبناء الدولة الحديثة.
فلا يمكن لدولة أن تمتلك قراراً سيادياً كاملاً فيما توجد قوى مسلحة تستطيع اتخاذ قرارات مستقلة عن مؤسساتها الرسمية.
اليوم التالي للانسحاب هو الاختبار الحقيقي
قد يكون الأول من تشرين الأول تاريخاً مهماً في الذاكرة السياسية العراقية، لكنه لن يكون نهاية القصة.
الاختبار الحقيقي سيبدأ في اليوم التالي.
هل تستطيع القوات العراقية حماية الحدود والمجال الجوي والمياه الإقليمية؟ هل تستطيع الأجهزة الأمنية التعامل مع التهديدات الإرهابية والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية؟ هل تستطيع الدولة منع أي طرف من استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ أجندات إقليمية؟ وهل تستطيع الحكومة أن تكون صاحبة القرار الوحيد في أي ملف عسكري؟
هذه الأسئلة ستكون أكثر أهمية من مشهد خروج القوات الأجنبية نفسه.
فالعراق لا يعيش في بيئة مستقرة تماماً، بل يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وإيران وتركيا ودول الخليج، وتتحول أحياناً أراضيه وأجواؤه إلى ساحة لتداعيات صراعات الآخرين.
ومن هنا فإن السيادة العراقية لا تعني فقط إخراج القوات الأجنبية، وإنما تعني أيضاً منع الآخرين من تحويل العراق إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
السلاح والقرار وجهان لسيادة واحدة
المشكلة في تعدد مصادر القوة لا تتعلق بالسلاح وحده، وإنما بالقرار الذي يقف خلف هذا السلاح.
الدولة الحديثة لا تستطيع أن تعمل بقرارين عسكريين، ولا يمكن أن تكون هناك مؤسسة رسمية مسؤولة عن الأمن، وفي الوقت ذاته جهات أخرى تمتلك القدرة على اتخاذ قرارات عسكرية مستقلة.
ولهذا فإن شعار حصر السلاح بيد الدولة يجب أن يتحول من شعار سياسي إلى مشروع مؤسساتي وقانوني واضح.
ويحتاج ذلك إلى بناء منظومة أمنية قادرة على استيعاب مختلف القدرات، وتعزيز هيبة القوات المسلحة، وتطوير أجهزة الاستخبارات، وضبط الحدود، وتحديث منظومات الدفاع الجوي، وتوفير الإمكانات التي تجعل الدولة قادرة على حماية نفسها من دون الحاجة إلى وجود عسكري أجنبي دائم.
فالدولة التي تطلب خروج القوات الأجنبية يجب أن تمتلك في المقابل القدرة على حماية نفسها.
السيادة ليست قراراً دبلوماسياً فقط
لطالما ارتبط مفهوم السيادة في العراق بالتدخلات الخارجية والقواعد والقوات الأجنبية، لكن السيادة في معناها الأعمق تتجاوز ذلك بكثير.
السيادة تعني أن تكون الدولة قادرة على اتخاذ قراراتها بعيداً عن الإملاءات الخارجية، وفي الوقت نفسه قادرة على فرض قوانينها داخل حدودها.
ولهذا فإن السيادة الخارجية والسيادة الداخلية لا يمكن فصلهما.
فإذا خرج الجندي الأجنبي، لكن بقي القرار الأمني موزعاً بين أكثر من مركز قوة، فإن الدولة تكون قد حققت جزءاً من السيادة ولم تحققها كاملة.
أما إذا تمكنت الحكومة من الجمع بين إنهاء الوجود العسكري الأجنبي، وتعزيز قدرات القوات العراقية، وحصر السلاح بالمؤسسات الرسمية، ومنع استخدام العراق ساحة لصراعات الآخرين، فإن ذلك سيكون انتقالاً حقيقياً من مرحلة إلى أخرى.
المعركة المقبلة سياسية قبل أن تكون أمنية
الأخطر في ملف السلاح أن تحويله إلى معركة كسر إرادات قد يؤدي إلى نتائج عكسية. لذلك فإن نجاح الدولة يتطلب معالجة سياسية وقانونية تدريجية، تقوم على قاعدة واضحة: لا استهداف سياسياً لمن يلتزم بالقانون، ولا استثناء أمنياً لمن يخرج عليه.
وهنا تقع المسؤولية الأكبر على الطبقة السياسية.
فالحديث عن دولة قوية لا يمكن أن يتحقق إذا كانت القوى السياسية نفسها غير متفقة على حدود الدولة ووظيفة مؤسساتها الأمنية. كما أن بناء الثقة بين الدولة والقوى السياسية والمجتمع سيكون عاملاً حاسماً في نجاح أي مشروع لحصر السلاح.
المطلوب ليس فقط أن تقول الدولة إن السلاح يجب أن يكون بيدها، وإنما أن تجعل هذا المبدأ قابلاً للتطبيق على أرض الواقع.
العراق أمام لحظة مفصلية
لذلك، فإن الأول من تشرين الأول قد يكون بداية مرحلة جديدة، لكنه لن يكون وحده معيار نجاحها.
العراق لن يُختبر يوم خروج آخر جندي أجنبي، وإنما في اليوم الذي يليه.
إذا استطاعت الدولة أن تحمي حدودها، وتفرض القانون، وتمنع استخدام أراضيها في الصراعات الإقليمية، وتجعل المؤسسة العسكرية والأمنية المرجعية الوحيدة في القرار الأمني، عندها فقط يمكن القول إن العراق انتقل من شعار السيادة إلى واقعها.
أما إذا غادرت القوات الأجنبية وبقي السلاح موزعاً، وبقيت مراكز القرار متعددة، فإن السؤال سيبقى قائماً: ماذا يعني أن تكون الدولة بلا قوات أجنبية، إذا لم تكن هي صاحبة القرار الأمني والعسكري الأول والأخير؟
المعركة الحقيقية إذن ليست مع آخر جندي أجنبي، بل مع كل ما يمنع الدولة من أن تكون الدولة.
فخروج القوات الأجنبية يمكن أن يغلق باباً من أبواب الماضي، لكن حصر السلاح بيد الدولة هو الباب الذي سيحدد ما إذا كان العراق قادراً فعلاً على الدخول إلى مرحلة جديدة عنوانها السيادة الكاملة.







