بقلم: احمد الحمداني
في عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية والسياسية والإعلامية لم تعد العلاقات الدولية ترفاً دبلوماسياً أو نشاطاً بروتوكولياً محدوداً بين الحكومات بل أصبحت أحد أهم أدوات بناء النفوذ والاستقرار وجذب الفرص، الدول التي أغلقت أبوابها أمام الانفتاح الخارجي خسرت الكثير من فرص التطور بينما الدول التي منحت مساحة واسعة للعلاقات الدولية استطاعت أن تتحول إلى مراكز تأثير اقتصادي وسياسي وإعلامي.
العراق اليوم وبعد سنوات طويلة من التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية يحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم العلاقات الدولية بعيداً عن النظرة التقليدية الضيقة فالعلاقات الدولية لا تعني فقط السفارات واللقاءات الرسمية بل تشمل بناء جسور مع المؤسسات الاقتصادية العالمية ومراكز الدراسات والشركات الدولية والمنظمات الإعلامية والجامعات وحتى مراكز التدريب والتطوير.
إن منح مساحة أوسع للعلاقات الدولية يفتح الباب أمام تدفق الخبرات والاستثمارات والتكنولوجيا والأفكار الحديثة كما أن الانفتاح الخارجي يمنح العراق فرصة لاستعادة موقعه الطبيعي كلاعب إقليمي مهم يمتلك موقعاً جغرافياً حساساً وثروات كبيرة وطاقات بشرية قادرة على صناعة التأثير.
وفي الحقيقة فإن كثيراً من الأزمات التي تواجهها الدول لا تُحل فقط بالقرارات الداخلية بل عبر بناء شبكة علاقات ذكية ومتوازنة مع العالم العلاقات الدولية الناجحة قادرة على تخفيف الأزمات الاقتصادية وجذب الشركات وتحسين صورة الدولة وخلق شراكات طويلة الأمد في مجالات الطاقة والإعمار والتعليم والإعلام وحتى الأمن.
ومن هنا تبرز أهمية الإيمان الحقيقي بالقطاع الخاص خصوصاً شركات العلاقات العامة والخدمات الإدارية والتطوير والتدريب باعتبارها جزءاً أساسياً من القوة الناعمة الحديثة ففي أغلب دول العالم المتقدمة لم تعد العلاقات الدولية حكراً على المؤسسات الحكومية، بل أصبحت هناك شركات متخصصة تعمل على صناعة الصورة، وبناء الجسور، وإدارة التواصل، وفتح قنوات التعاون الاقتصادي والاستثماري والإعلامي.
شركات العلاقات العامة اليوم ليست مجرد مؤسسات لتنظيم المؤتمرات أو إدارة الحملات الإعلامية بل أصبحت شريكاً استراتيجياً في صناعة القرار الاقتصادي والتسويق السياسي وبناء النفوذ المؤسسي هذه الشركات تمتلك القدرة على ربط الحكومات بالقطاع الخاص وربط المستثمرين بالفرص وربط المؤسسات المحلية بالشركات والمنظمات الدولية.
كما أن دعم هذا النوع من الشركات يخلق جيلاً جديداً من الكفاءات العراقية القادرة على العمل وفق المعايير الدولية ويمنح الشباب مساحة للعمل في مجالات حديثة تعتمد على التواصل والإدارة والتخطيط وبناء العلاقات والأهم من ذلك أن وجود قطاع خاص قوي ومرن يقلل من الاعتماد الكامل على الدولة ويخلق اقتصاداً أكثر حيوية وانفتاحاً.
العالم تغير كثيراً ومن لا يمتلك شبكة علاقات واسعة سيبقى معزولاً عن حركة الاقتصاد والسياسة الدولية لذلك فإن إعطاء مساحة أكبر للعلاقات الدولية والإيمان الحقيقي بالقطاع الخاص وشركات العلاقات العامة ليس خياراً ثانوياً بل ضرورة استراتيجية لأي دولة تبحث عن الاستقرار والنفوذ والتنمية.
العراق يمتلك كل المقومات ليكون مركزاً إقليمياً مهماً لكنه يحتاج إلى عقلية أكثر انفتاحاً تؤمن بأن بناء العلاقات لا يقل أهمية عن بناء المؤسسات وأن النفوذ الحديث لا يُصنع بالقوة فقط، بل بالشراكات والثقة والقدرة على التواصل مع العالم.







