بقلم: أحمد الحمداني
31 أذار 2026
في العراق لم يعد معيار قوة الدولة يقاس بعدد الجنود ولا بحجم السلاح بل بقدرتها على احتكار قرار استخدام القوة وهذه هي النقطة التي تكشف الخلل الحقيقي فحين تظهر فصائل مسلحة بلا أسماء واضحة أو بواجهات متغيرة فنحن لا نتحدث عن ظاهرة هامشية بل عن مؤشر عميق على ازدواج السلطة وتعدد مراكز القرار داخل الدولة الواحدة ومنذ سقوط النظام في عام 2003 لم تعد الدولة وحدها من يمتلك السلاح بل أصبحت واحدة من عدة لاعبين في ساحة مفتوحة على صراع داخلي وإقليمي معقد.
الفصائل غير المعلنة ليست صدفة ولا نتاج فوضى عشوائية بل هي نتيجة بيئة سياسية وأمنية تسمح بولادتها أول هذه البيئات هو الإنكار السياسي حيث تحتاج بعض الجهات إلى أدوات تعمل دون توقيع واضح لتفادي الرد المباشر أو المسؤولية الدولية وثانيها التشظي داخل البنى المسلحة نفسها حيث قد تنشأ مجموعات صغيرة خارج السيطرة داخل كيانات أكبر نتيجة تضارب المصالح أو اختلاف التمويل أو صراع النفوذ أما ثالثها فهو اقتصاد العنف حيث تتحول بعض المناطق إلى مساحات مفتوحة لتشكيل مجموعات تحمي موارد أو تدير أنشطة غير رسمية دون غطاء معلن لكن الأخطر من وجود هذه الفصائل هو قدرتها على التحرك داخل المنطقة الرمادية بين الدولة واللادولة وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية من يمتلك القرار الحقيقي على الأرض هل هو القانون أم القوة أم التوازنات السياسية التي تسمح بمرور هذه الكيانات دون حسم.
الأجهزة الاستخبارية مثل جهاز المخابرات الوطني العراقي و الاستخبارات العسكرية و وكالة الاستخبارات والامن الوطني والاجهزة الاخرى ذات العلاقة تدرك هذه التعقيدات وتتعامل معها بمنطق مختلف فهي لا تبحث عن الاسم بل عن البصمة من خلال تحليل نمط العمليات ونوع السلاح وتوقيت الضربات والخطاب الإعلامي فالفصيل الحقيقي يترك أثرًا يمكن تتبعه أما الواجهة الاستخبارية فتظهر غالبًا بعمليات دقيقة تفوق حجمها وتختفي سريعًا وتتبنى خطابًا هشًا بلا عمق تنظيمي.
الاستخبارات هنا تمثل خط الدفاع الأول لكنها ليست الحل الكامل لأنها تعمل ضمن بيئة سياسية فإذا لم يكن هناك قرار واضح بحصر السلاح بيد الدولة فإن أي نجاح أمني سيبقى مؤقتًا لأن المشكلة ليست في كشف الفصيل بل في البيئة التي تسمح له بالوجود والاستمرار و المشكلة الحقيقية في العراق ليست أمنية بحتة بل سياسية بامتياز لأن وجود فصائل غير معلنة يعني وجود فراغ في القرار أو ازدواج في الموقف أو توظيف مرحلي للسلاح خارج إطار الدولة وهذا ما يجعل بعضها تتحرك أحيانًا تحت مظلة الصمت وأحيانًا تحت غطاء التبرير وأحيانًا أخرى في وضح النهار دون محاسبة.
الدور السياسي المطلوب اليوم يتجاوز البيانات والإدانات إلى خطوات حاسمة تبدأ بحصر القرار الأمني بيد الدولة دون استثناء وتفعيل القوانين التي تمنع أي نشاط مسلح خارج المؤسسات الرسمية وتجفيف مصادر التمويل غير المشروع وإغلاق كل المساحات الرمادية التي تنتج هذه الفصائل كما يتطلب الأمر خطابًا سياسيًا موحدًا ينهي ازدواج المعايير فلا يمكن رفض السلاح حين يعارض السلطة وقبوله حين يخدمها و العراق اليوم أمام معادلة واضحة إما دولة تمتلك قرارها الكامل أو ساحة مفتوحة تتحرك فيها قوى غير معلنة وفق حسابات لا تخضع للقانون وفي هذه الحالة لن يكون السؤال كم عدد الفصائل بل من الذي يحكم فعليًا.
أن الفصائل غير المعلنة ليست مجرد تهديد أمني بل هي اختبار حقيقي لهيبة الدولة فإذا لم تحسم السياسة هذا الملف فلن تستطيع الاستخبارات مهما بلغت قوتها أن تنهي ظاهرة تولد من قلب التردد السياسي وتعيش في ظله.







