بقلم:دريد توفيق
تُعد مسألة المدد الدستورية من أهم الأدوات التي يعتمدها الدستور لضبط إيقاع العملية السياسية ومنع الفراغ في مؤسسات الدولة. ومن أبرز هذه المدد ما نص عليه دستور جمهورية العراق لسنة 2005 بشأن تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء، حيث منح الدستور المكلف مدة ثلاثين يوماً لتقديم تشكيلته الوزارية إلى مجلس النواب لنيل الثقة.
الإطار الدستوري للمدة
تنص المادة (76/ثالثاً) من الدستور العراقي على أن رئيس مجلس الوزراء المكلف يقدم أسماء أعضاء وزارته والمنهاج الوزاري إلى مجلس النواب خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً من تاريخ التكليف، ويعد حائزاً على الثقة عند موافقة المجلس بالأغلبية المطلقة.
وبناءً على هذا النص، إذا افترضنا أن التكليف تم بتاريخ 27 نيسان/أبريل 2026، فإن آخر يوم دستوري لتقديم التشكيلة الوزارية إلى مجلس النواب يكون 27 أيار/مايو 2026.
غير أن الإشكالية التي تطرح نفسها هنا تتعلق بتزامن هذا التاريخ مع عيد الأضحى، وهي عطلة رسمية تمتد عادة عدة أيام، إضافة إلى مغادرة عدد من أعضاء مجلس النواب لأداء فريضة الحج، الأمر الذي قد يثير تساؤلات قانونية وسياسية حول إمكانية انعقاد الجلسة وتحقيق النصاب القانوني.
هل تُستثنى العطل من المدد الدستورية؟
الأصل في القواعد الدستورية أن المدد الواردة في الدستور تُحسب بالأيام التقويمية وليس بأيام العمل، أي أنها تشمل العطل الرسمية والأيام غير الرسمية.
ويرجع ذلك إلى أن الدستور عندما يحدد مدة زمنية بصيغة مطلقة (مثل ثلاثين يوماً) فإنه يقصد بها مدة زمنية كاملة غير قابلة للتعليق أو الاستثناء ما لم يرد نص صريح يخالف ذلك.
وعليه، فإن العطل الرسمية — بما فيها عطلة عيد الأضحى — لا توقف سريان المدة الدستورية ولا تؤدي إلى تمديدها.
السند القانوني لهذا الاتجاه
يمكن الاستناد في هذا الفهم إلى مجموعة من المبادئ القانونية والدستورية، من أبرزها:
1. مبدأ سمو النص الدستوري
حيث لا يجوز تعديل أو تعطيل حكم دستوري إلا بنص دستوري مماثل أو بقرار تفسيري من المحكمة المختصة.
2. مبدأ صراحة النص
عندما لا ينص الدستور على استثناء العطل، فإن القاعدة العامة هي احتساب جميع الأيام ضمن المدة.
3. الاجتهاد القضائي الدستوري المقارن
في العديد من الأنظمة الدستورية تُعد المدد الدستورية من المدد الحتمية (Peremptory Deadlines) التي لا تقبل الإيقاف أو التعليق بسبب العطل.
وفي العراق، فإن الجهة المخولة بتفسير النصوص الدستورية هي المحكمة الاتحادية العليا في العراق، والتي يمكن أن تصدر تفسيراً ملزماً إذا نشأ نزاع حول احتساب المدة.
الإشكالية العملية: النصاب البرلماني
حتى لو افترضنا أن المدة لا تتوقف بسبب العطل، فإن المشكلة العملية قد تكون تحقيق النصاب القانوني لعقد جلسة مجلس النواب، خاصة مع سفر عدد من النواب للحج.
فانعقاد الجلسة يتطلب حضور الأغلبية المطلقة لعدد أعضاء المجلس، وفي حال تعذر ذلك قد تصبح المسألة سياسية أكثر منها قانونية.
وفي هذه الحالة توجد ثلاثة سيناريوهات محتملة:
1. عقد جلسة قبل بدء موسم الحج
أي بين 17 و20 أيار لضمان حضور أكبر عدد من النواب.
2. عقد جلسة استثنائية خلال العطلة
إذ إن العطل الرسمية لا تمنع انعقاد مجلس النواب إذا توفرت الإرادة السياسية والنصاب القانوني.
3. انتهاء المدة دون تقديم التشكيلة
وفي هذه الحالة يعود الأمر إلى رئيس الجمهورية لتكليف مرشح آخر وفق المادة (76) من الدستور.
هل يستطيع المكلف تقديم تشكيلته فعلاً؟
من الناحية القانونية، لا يوجد ما يمنع المكلف من تقديم تشكيلته في أي يوم ضمن المدة المحددة، حتى لو صادف ذلك عطلة رسمية.
لكن من الناحية السياسية والعملية، فإن نجاحه يعتمد على عاملين رئيسيين:
التوافق السياسي بين الكتل النيابية
إمكانية انعقاد جلسة مجلس النواب بنصاب قانوني
في النهاية
إن المدد الدستورية في العراق، ومنها مدة الثلاثين يوماً لتشكيل الحكومة، تُحسب بالأيام التقويمية ولا تُستثنى منها العطل الرسمية، ما لم يصدر تفسير مخالف من المحكمة الاتحادية العليا.
وبالتالي فإن تزامن انتهاء المدة مع عطلة عيد الأضحى لا يؤدي قانوناً إلى تمديدها، لكنه قد يخلق تحدياً سياسياً وإجرائياً يتعلق بإمكانية انعقاد مجلس النواب والتصويت على التشكيلة الوزارية.
وفي ضوء ذلك، تبقى المسؤولية الأساسية على القوى السياسية في إدارة الوقت الدستوري بكفاءة، لأن الدستور وضع المدة لضمان سرعة تشكيل الحكومة، لا لفتح باب الاجتهاد في تمديدها.







