حرية
في لحظة سياسية شديدة الحساسية تتقاطع فيها المواعيد الدستورية مع حسابات القوى المتعددة يدخل العراق مرحلة جديدة من التعقيد السياسي مع اقتراب إعلان الحكومة المقبلة برئاسة رئيس الوزراء المكلف علي فالح الزيدي. فالمشهد لم يعد قائماً على تفاهمات تقليدية بين ثلاث قوى رئيسة كما كان الحال في السنوات الماضية بل بات موزعاً على أكثر من 20 كياناً سياسياً لكل منها شروطه وحساباته ومطالبه الخاصة ما يجعل عملية تشكيل الحكومة اختباراً مبكراً لقدرتها على إدارة التوازنات واتخاذ القرار.
هذا التحول في بنية المشهد السياسي العراقي لا ينعكس فقط على سرعة تشكيل الحكومة بل يثير تساؤلات أعمق تتعلق بقدرة السلطة التنفيذية المقبلة على العمل بفاعلية في ظل تعدد مراكز النفوذ وتضارب المصالح خصوصاً مع ما يواجهه العراق من أزمات اقتصادية وأمنية وخدمية تتطلب قرارات سريعة وحاسمة.
سباق تفاهمات تحت ضغط الدستور
التحركات السياسية الأخيرة تكشف عن تسارع واضح في وتيرة المفاوضات مدفوعة بضغوط الوقت والاستحقاقات الدستورية فضلاً عن رغبة القوى السياسية في تجنب أي انسداد قد يعيد البلاد إلى أجواء التأزم.
وفي هذا السياق شهدت بغداد سلسلة لقاءات مكثفة بين قادة القوى السياسية والمؤسسات الدستورية كان أبرزها لقاء رئيس “ائتلاف دولة القانون” نوري المالكي برئيس الجمهورية نزار آميدي حيث جرى بحث مسار تشكيل الحكومة والتأكيد على ضرورة تسريع التفاهمات بما ينسجم مع المواعيد الدستورية ويستجيب لمطالب الشارع العراقي.
كما شدد رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان ورئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني على أهمية الالتزام بالتوقيتات المحددة لإنجاز الاستحقاقات السياسية مع التأكيد على تعزيز التنسيق بين المؤسسات الدستورية لضمان الاستقرار السياسي خلال المرحلة المقبلة.
أما رئيس الوزراء المكلف علي فالح الزيدي فقد كثف لقاءاته مع مختلف القوى السياسية من بينها “تحالف العزم” في محاولة لبناء تفاهمات واسعة تتيح تمرير حكومته تحت شعار (حكومة وطنية) تمثل مختلف الأطراف وتستجيب لتطلعات العراقيين.
وفي الإطار ذاته اكتسبت زيارة رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني إلى بغداد أهمية خاصة بعدما أجرى سلسلة لقاءات مع قادة الكتل والتحالفات السياسية مؤكداً دعم الإقليم الكامل لمسار تشكيل الحكومة مع التشديد على ملفات أساسية تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة وتحسين الوضع الاقتصادي، وإبعاد العراق عن صراعات المنطقة.
من التوافق الثلاثي إلى تشابك الـ22 كياناً
غير أن الزخم السياسي لا يلغي حجم التعقيد الذي تواجهه عملية التشكيل. فبحسب المحلل السياسي مجاشع محمد فإن رئيس الوزراء المكلف لم يعد يتفاوض مع ممثلي المكونات الثلاثة الكبرى فقط بل بات مضطراً لإدارة شبكة واسعة من الحوارات مع نحو 22 كياناً سياسياً لكل منها رؤيته الخاصة ومطالبه المتعلقة بالوزارات والمناصب والبرنامج الحكومي.
ويرى محمد أن هذا التحول يعكس تغيراً جذرياً في طبيعة النظام السياسي العراقي إذ لم تعد التفاهمات الكبرى كافية لحسم تشكيل الحكومات بل أصبح الأمر مرتبطاً بإدارة توازنات دقيقة ومتداخلة ما يجعل أي اتفاق عرضة للتعقيد أو التعطيل في أية لحظة.
ولا يتوقف تأثير هذا الواقع عند مرحلة التشكيل فقط بل يمتد إلى طبيعة عمل الحكومة نفسها إذ قد تتحول كثرة الشركاء السياسيين إلى عامل يبطئ عملية اتخاذ القرار داخل مجلس الوزراء خصوصاً في القضايا الحساسة التي تتطلب توافقاً سياسياً واسعاً.
النقاط.. حل تنظيمي أم أزمة جديدة؟
وفي محاولة لمعالجة الخلافات التقليدية حول توزيع الوزارات برزت آلية جديدة تعتمد نظام “النقاط” وفقاً للوزن الانتخابي لكل كتلة سياسية.
ووفق ما كشف عنه المتحدث باسم “ائتلاف النصر” سلام الزبيدي فإن الوزارات السيادية قد تُمنح وفق سقوف محددة تصل إلى 15 نقطة فيما يجري توزيع بقية الوزارات بناءً على معايير مرتبطة بالحجم السياسي والتمثيل البرلماني بهدف تحقيق ما وصفه بـ”العدالة والاستحقاق”.
ورغم أن هذه الآلية لاقت قبولاً أولياً لدى عدد من القوى السياسية بما فيها الأطراف الكردية فإن مراقبين يرون أنها قد تتحول إلى ساحة جديدة للصراع السياسي خصوصاً مع استمرار الخلافات حول بعض الحقائب السيادية المهمة وفي مقدمتها وزارة الخارجية.
اتساع المطالب التمثيلية
التحدي لا يقتصر على القوى الكبرى فقط بل يمتد إلى المكونات الأصغر التي بدأت تطالب بتمثيل أوسع داخل الحكومة المقبلة. ومن أبرز تلك المطالب الدعوة إلى تخصيص حقيبة وزارية للمكون المسيحي في مؤشر يعكس اتساع دائرة المطالب السياسية والرغبة في تكريس مبدأ الشمولية داخل السلطة التنفيذية.
لكن هذا التوسع في التمثيل على الرغم من أهميته السياسية والاجتماعية يثير مخاوف من زيادة تعقيد التوازنات داخل الحكومة وتحويل مجلس الوزراء إلى ساحة دائمة للتفاوض والمساومات.
البرلمان يترقب.. والخلافات مؤجلة؟
على المستوى البرلماني تبدو الصورة أكثر وضوحاً من الناحية الإجرائية إذ أعلن رئيس مجلس النواب أن البرلمان سيتسلم البرنامج الحكومي قريباً تمهيداً لعرض الكابينة الوزارية على التصويت خلال الأيام المقبلة.
غير أن تجارب الحكومات السابقة تشير إلى أن تمرير الحكومة داخل البرلمان لا يعني انتهاء الخلافات السياسية بل قد يكون بداية لمرحلة جديدة من الصراع داخل السلطة التنفيذية نفسها خصوصاً في ظل تعدد مراكز القرار وتضارب المصالح الحزبية.
تحذيرات من شلل القرار
وفي موازاة الحراك السياسي تتصاعد التحذيرات من تداعيات هذا المشهد المعقد على مستقبل النظام السياسي العراقي.
فقد حذر رئيس كتلة “الإعمار والتنمية” بهاء الأعرجي من أن النظام السياسي يواجه “خطراً كبيراً” في ظل الأزمات الاقتصادية والأمنية المتراكمة وغياب الرؤية الواضحة لدى بعض القوى السياسية.
من جهته يرى المحلل السياسي أحمد الربيعي أن تعدد القوى المشاركة في الحكومة قد يتحول إلى عائق بنيوي داخل مجلس الوزراء موضحاً أن الوزارات غالباً ما تتحول إلى مراكز نفوذ حزبي ما يجعل اتخاذ القرارات الاستراتيجية خاضعاً لتوافقات معقدة قد تستغرق وقتاً طويلاً.
ويشير الربيعي إلى أن الحكومات التوافقية تعمل أحياناً بمنطق “الفيتو غير المعلن” إذ تستطيع أي كتلة تعطيل القرارات التي لا تنسجم مع مصالحها السياسية الأمر الذي يضعف قدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات حقيقية في ملفات حيوية كالإصلاح الاقتصادي والخدمات والطاقة.
في المقابليقدم المحلل السياسي علي حسين رؤية مختلفة إذ يعتبر أن تعدد الكيانات السياسية يمثل شكلاً من أشكال توسيع التمثيل داخل النظام السياسي وهو أمر قد يسهم في تقليل الإقصاء وتعزيز الاستقرار حتى وإن أدى إلى بطء نسبي في اتخاذ القرار.
ويؤكد حسين أن نجاح الحكومة المقبلة سيتوقف على قدرتها في تنظيم العلاقة بين الشركاء السياسيين والانتقال من منطق تقاسم الحصص إلى منطق الاتفاق على السياسات والبرامج الحكومية.
بين الشرعية والفاعلية
وفي المحصلة تبدو الحكومة العراقية المقبلة أمام معادلة شديدة التعقيد: فكلما اتسعت قاعدة المشاركة السياسية ازدادت شرعية النظام وارتفعت فرص الاستقرار لكن ذلك يأتي غالباً على حساب سرعة القرار وفاعلية الأداء الحكومي.
وفي بلد يواجه تحديات اقتصادية وأمنية وخدمية متراكمة قد لا يكون بطء القرار رفاهية ممكنة خصوصاً في ملفات تتطلب استجابات عاجلة وإصلاحات جذرية.
وبين الحاجة إلى التوافق ومتطلبات الحسم يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح حكومة الـ22 كياناً في إدارة هذا التوازن الدقيق أم أن تعدد الشركاء سيتحول إلى عبء يهدد قدرة الدولة على اتخاذ القرار؟







